تنفذ مصر حاليا استراتيجية طاقة قد تبدو متناقضة نظريا، إذ تستورد كميات قياسية من الغاز الطبيعي لإرساء الدعائم اللازمة لتصبح يوما ما مركزا إقليميا للتصدير، وفق ما قاله وزير البترول كريم بدوي في ندوة نظمتها غرفة التجارة الأمريكية بالقاهرة وحضرتها إنتربرايز. وفي حين تركز عناوين الأخبار على الهدف المباشر المتمثل في تجنب انقطاعات التيار الكهربائي وتوفير إمدادات كافية للقطاع الصناعي، تسعى البلاد أيضا إلى إثبات موثوقيتها كمركز للتصدير استعدادا لاستقبال تدفقات الغاز من قبرص وإسرائيل لإعادة تصديرها من جديد، وأملا في تعزيز الإنتاج المحلي.

تُستخدم واردات الغاز الطبيعي المسال لتلبية الطلب المحلي والحفاظ على جاهزية البنية التحتية للتصدير، وإن كان ذلك عند مستوياتها المحدودة حاليا. وعلى النقيض من أزمات الطاقة التي شهدتها السنوات الماضية، حينما أدى نقص الإمدادات المحلية إلى الاستحواذ على الغاز المنتج محليا والمخصص للتصدير مع التوقف عن سداد المستحقات المتأخرة لشركات الطاقة العالمية، تتبنى الدولة حاليا نهجا مختلفا. إذ "كان من المهم للغاية بالنسبة لنا التأكد من تعظيم الاستفادة من وحدات التغويز العائمة عبر تصدير عدد من شحنات الغاز المحلي، مع ضمان تلبية احتياجاتنا في الوقت ذاته"، حسبما أوضح بدوي.

لماذا يعد هذا مهما؟ من خلال السماح بتصدير شحنات الغاز الطبيعي المسال عبر محطة إدكو للإسالة، بالتزامن مع الاستيراد عبر وحدات التغويز العائمة الأربع البالغة طاقتها الإجمالية 2.8 مليار قدم مكعبة يوميا، تفي الحكومة بالعقود القائمة مع شركات الطاقة العالمية العاملة في البلاد، حتى وإن كبدها ذلك خسائر مالية. وتعد هذه استراتيجية طويلة الأجل لضمان وفاء شركات الطاقة بتعهداتها الاستثمارية لزيادة الإنتاج، من خلال منحها الثقة ليس فقط في عدم احتجاز مستحقاتها مجددا، ولكن أيضا في استمرار قدرتها على الاستفادة من سوق التصدير الأكثر ربحية حتى عندما تمر مصر بأوقات صعبة.

كان الحفاظ على استمرار الصادرات خلال الأزمة قرارا "مؤلما"، لكنه ضروري للحفاظ على سلامة الأصول ومكانة مصر في الأسواق العالمية، وفق ما قالته نائبة رئيس ورئيس مجلس إدارة شركة شل مصر داليا الجابري. وتعتمد هذه الاستراتيجية على إبقاء منشآت الإسالة مثل محطة إدكو قيد التشغيل حتى في ظل شح الإمدادات المحلية.

وأضافت الجابري أن "الاستيراد والتصدير معا هو الهدف النهائي لمصر، لتلعب دور المُجمّع والمحرك للإمدادات إلى السوق العالمية"، مشيرة إلى أن "هناك دراسات جدوى يجري إعدادها حاليا للنظر في خيار التغويز في الحقول البحرية".

ولزيادة الإنتاج، تتطلع البلاد أيضا إلى تقنيات مثل الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي. وقال بدوي إن "الخيارات التي لم نكن ننظر فيها من قبل صار يمكننا دراستها الآن"، واصفا التكنولوجيا بأنها أداة لفتح الآفاق أمام موارد لم يكن من الممكن الوصول إليها في السابق.

كما تتبنى الحكومة شروطا مالية مرنة لتشجيع الاستثمار، بما فيها نماذج "معامل الاسترجاع" وغيرها من الترتيبات التي تتيح للشركات "استرداد استثماراتها في وقت مبكر" في مناطق الامتياز البكر التي تتسم بمحدودية البنية التحتية، حسبما أشار بدوي.