🔌 قد يكون قرار إغلاق المحال التجارية بحلول التاسعة مساء ضرورة ملحة لترشيد استهلاك الطاقة محليا، إلا أنه يمثل أزمة وجودية لعدد لا يحصى من المطاعم والمقاهي ومتاجر التجزئة، والتي تحقق الجزء الأكبر من أرباحها خلال ساعات الليل.

الخطة

القاهرة، المدينة التي لا تنام.. أو هكذا كانت حتى وقت قريب: أحدث قرار الحكومة بإغلاق جميع المنشآت التجارية في التاسعة مساء خلال أيام الأسبوع، وفي العاشرة مساء يومي الخميس والجمعة، حالة من الصدمة في الأوساط الاقتصادية وبين السكان الذين تتركز أنشطتهم في الساعات المتأخرة من الليل. الإجراء المقرر تطبيقه مبدئيا لمدة شهر اعتبارا من 28 مارس، يأتي ضمن حزمة أوسع من تدابير ترشيد استهلاك الطاقة، في وقت تضاعفت فيه فاتورة واردات مصر من الوقود لتسجل 2.5 مليار دولار في مارس، مقارنة بـ 1.2 مليار دولار في يناير، مدفوعة بتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

المنطق وراء القرار سليم، لكن كلفته الاقتصادية ملموسة، وتأثيره على الشارع ملحوظ. لم يكن أحد متيقنا من مآلات الأمور، أو مدى صرامة القرار الجديد، أو حتى معرفة الجهات التي ستستثنى منه، ولكن لم يمر وقت طويل حتى أدركت الشركات أن الدولة جادة في تنفيذ قرارها. فبعد التاسعة مساء، تغرق القاهرة فعليا في العتمة، إذ تسدل الأبواب المعدنية للمتاجر وتخفت أضواء الشوارع وتطفأ اللوحات الإعلانية، ويسود هدوء مقبض وغير معتاد أبدا بالنسبة للشعب الذي لا ينام.

التنفيذ

الدولة لا تمزح: أكدت الحكومة أن القرار ليس مجرد مقترحا عابرا، بل هو إلزامي لا تهاون فيه، إذ فرضت بالفعل غرامات على الشركات المخالفة، وبلغ الأمر حد إلقاء القبض على بعض مديري المتاجر المخالفين، بحسب ما قاله أحمد بدر الدين (لينكد إن)، المدير العام لشركة أركان بالم المالكة لأركان بلازا، أحد أبرز وجهات المطاعم والضيافة والتجزئة في الشيخ زايد. فيما صرح مصدر آخر تحدثنا معه في إنتربرايز، بأن الشرطة قد وصلت حفل زفاف في مكان مفتوح بالشيخ زايد في تمام التاسعة مساء، وعندما واجهت مقاومة من أصحاب الزفاف، أوقفت مشغل الموسيقى "الدي جي" وصادرت معداته.

ورغم أن الفنادق والمنشآت السياحية مستثناة من قرار الغلق، إلا أن هذا الاستثناء يطبق في أضيق الحدود، إذ قال أحد رواد مطعم وبار فرانك أند كو الشهير بين سكان المعادي، إن الشرطة أجبرت الإدارة على إغلاق الساحة الخارجية، واقتصر تقديم الخدمة على القاعات الداخلية فقط.

التداعيات

"يمثل القرار كارثة حلت على أعمالنا"، حسبما قال نديم سامي، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة ميت بارتي فودز التي تدير مطعم وبار تيبسي كاميل، لإنتربرايز. "إذ أحقق ما بين 85 و90% من إيراداتي بعد التاسعة مساء". وقد حاول سامي جس النبض في الليلة الأولى للقرار: "أبقيت المطعم مفتوحا بعد التاسعة، وفي تمام الساعة 9:15 مساء حضرت السلطات وقطعت الكهرباء والمياه، محذرة من تكرار المخالفة بما قد يؤدي إلى الإغلاق الدائم"، مشيرا إلى أن الأمر لا يقتصر على فرض غرامات، بل هو إغلاق قسري.

من المعادي إلى التجمع: ينطبق الوضع ذاته على براس مانكي المملوك لمجموعة السويدي، وهي وجهة ترفيهية ومطعم متعدد الطوابق في مول يو فينيوز بالقاهرة الجديدة: "عادة ما يجني المكان ما بين 80 و90% من إيراداته بعد التاسعة، ويستقبل ما بين 500 و600 زائر يوميا، وهو عدد تقلص إلى حد كبير خلال فترة الغلق"، بحسب ما قاله الرئيس التنفيذي للعمليات الإستراتيجية في مجموعة السويدي، أحمد صادق السويدي، لإنتربرايز.

الأمر يعني باختصار أن المطاعم قد فقدت شيفت عمل كامل، وفقا لما قاله أبو بكر شعبان، مؤسس مطعم بابوز إيتس بفرعيه في الزمالك والشيخ زايد. ويقدر شعبان خسارة مطعمه مع الإغلاق في الساعة التاسعة بنحو 60% من إيراداته.

قالك اتصرف

لم تقف الشركات مكتوفة الأيدي، بل ابتكرت حلولا سريعة للتكيف مع الوضع الجديد. يعمل سامي على تحويل نشاط تيبسي كاميل للتركيز على الفترة الصباحية، وذلك من خلال إطلاق منيو خاص للإفطار وتطوير علامة تجارية للقهوة إلى جانب منيو برانش خلال عطلات نهاية الأسبوع، فضلا عن خطة لإطلاق نموذج عمل جديد تحت اسم سوبر كاميل. وفي منشور له عبر إنستجرام، دعا سامي مرتادي المكان إلى القدوم والعمل من مقر تيبسي أيام الأحد، التي تطبق فيها قرار العمل من المنزل إلزاميا. فيما يركز السويدي على استضافة الفعاليات المؤسسية، إذ يمكن للشركات حجز المكان لإقامة فعالياتها خلال أيام العمل، إلى جانب استكشاف برامج برانش عائلية في عطلات نهاية الأسبوع.

ومع ذلك، يقر السويدي بأن تغيير ثقافة الحياة الليلية في مصر يتطلب أكثر من مجرد تعديل قوائم الطعام، قائلا: "لن تستطيع تغيير الثقافة المصرية خلال شهر، فالناس يقاومون التغيير بشدة، لكنني لاحظت بعض التحولات، فساحة انتظار السيارات لدينا أصبحت ممتلئة بالكامل بدءا من الحادية عشرة صباحا، وهو ما لم يكن يحدث من قبل".

فاصل ونواصل: ومن المقرر أن يحظى أصحاب الأعمال بانفراجة قصيرة خلال عطلة نهاية الأسبوع المقبلة، إذ وافق مجلس الوزراء على تمديد ساعات العمل حتى الحادية عشرة مساء، اعتبارا من بعد غد الجمعة وحتى الاثنين 13 أبريل، بمناسبة عيد القيامة المجيد وأعياد شم النسيم.

ما الخطوة التالية؟

يبقى السؤال الأكبر هو ما سيحدث في المرحلة المقبلة، فمن المقرر مراجعة القرار بعد شهر واحد، إلا أن التوقعات بتحسن وضع الطاقة الإقليمي قريبا تبدو محدودة، إذ يبدي بدر الدين بعض الحذر قائلا: "ما زلنا نقيم الأثر الكامل"، مضيفا أن أركان تبحث سبل تخفيف الأثر على المستأجرين. لكنه أشار في الوقت ذاته إلى نقطة جوهرية، وهي أن خسارة الإيرادات للشركات التي تعتمد على حركة العمل الليلية تعني أيضا خسارة في الحصيلة الضريبية للحكومة. كما يواجه العاملون في قطاع الخدمات والذين يعتمدون على الإكراميات انهيارا في دخولهم، حتى وإن ظلت رواتبهم الأساسية كما هي.

وفيما يؤكد السويدي أن تسريح العمال ليس خيارا مطروحا بالنسبة له، يقر بأنه في حال استمر القرار لعدة أشهر، سيكون له أثر بالغ على قطاعي التجارة والتجزئة.

ويبدو الاجماع جليا بين أصحاب الأعمال الذين تحدثنا إليهم: ليس هناك من يشكك في المنطق الذي استندت إليه الحكومة، خاصة وأن أزمة الطاقة في مصر حقيقية، ومسار الحرب لا يمكن التنبؤ به. ومع ذلك، فإن الأضرار الاقتصادية الجانبية التي تلحق بالشركات الصغيرة وعمال الخدمات ومدينة لا يمكن فصل هويتها عن حياتها الليلية، تتزايد يوما بعد يوم، مع توقعات بأن تزداد الأمور تعقيدا مع حلول الصيف.