تتخلى البنوك العاملة في السوق المحلية حاليا عن الاستراتيجيات التي تقودها طموحات النمو وتتبنى نهجا حذرا ودفاعيا، في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة والارتفاع الحاد في أسعار الطاقة عالميا، وفق ما كشفته مصادر مصرفية لإنتربرايز. إذ بدأت البنوك في التخلص من المخاطر المرتبطة بالصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة والخدمات اللوجستية، لتضاعف تركيزها على القطاعات قليلة المخاطر مثل التكنولوجيا الزراعية والأدوية والصناعات الموجهة لإحلال الواردات، بحسب المصادر.
لم تعد البنوك في مصر وغيرها من الأسواق الناشئة تتحرك فقط بهدف تحقيق أعلى عائد، وإنما أصبح تركيزها الأساسي على "الحفاظ على جودة الأصول وتعزيز القدرة على مواجهة الصدمات"، وفق ما قاله أحمد شوقي، الخبير المصرفي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، في تصريحات لإنتربرايز. وحذر شوقي من أن الأزمات غالبا ما تؤدي إلى ارتفاع نسب القروض المتعثرة بمقدار 1 إلى 2 نقطة مئوية في بعض الأسواق الناشئة.
ومع تزايد استنزاف العملات الأجنبية، تعكف البنوك حاليا على إعادة تقييم محافظها الائتمانية وتحول تركيزها إلى إدارة المخاطر، وفق ما قاله لنشرتنا محمد عبد المنعم، مساعد نائب الرئيس التنفيذي للتمويل المؤسسي في بنك الكويت الوطني.
أوضح شوقي أن النماذج التقليدية "لم تعد كافية في ظل التحديات الراهنة"، وأن البنوك بدأت في الاعتماد على "اختبارات ضغط موسعة تشمل سيناريوهات متعددة مثل ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد وتراجع قيمة العملة"، مع إعطاء وزن أكبر لتوقعات التدفقات النقدية المستقبلية. وأضاف أنه "في أوقات الأزمات، لا تقاس قوة البنوك بقدرتها على الإقراض، بل بقدرتها على اتخاذ القرار الائتماني الصحيح في التوقيت المناسب وبأعلى درجات الحصافة المهنية".
تمنح البنوك الأولوية لقطاعات الصناعات الغذائية والأدوية والرعاية الصحية والزراعة، وهي القطاعات التي يُنظر إليها على أنها قادرة على الصمود في مواجهة الصدمات الخارجية، كما تقلص انكشافها على الصناعات التي قد تتأثر جراء اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف التشغيل، حسبما أوضح عبد المنعم. وتأتي الطاقة المتجددة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة والتكنولوجيا المالية والخدمات الرقمية على رأس القطاعات التي تسعى البنوك إلى تعزيز التمويلات الموجهة إليها، في الوقت الذي تتجه فيه "نحو تقليل انكشافها على القطاعات الأكثر عرضة للتقلبات، مع تعزيز المخصصات الاحترازية وإعادة تسعير التمويل ليعكس المخاطر الفعلية"، بحسب ما قاله شوقي لإنتربرايز.
دلالات ذلك التوجه الجديد: مع خروج استثمارات أجنبية تُقدّر بنحو 6.5-6.8 مليار دولار منذ فبراير 2026، وارتفاع تكلفة التأمين على الديون إلى نحو 330 نقطة، لم يعد منطق التوسع أولا هو "المسيطر"، وفق ما صرح به لنشرتنا هاني أبو الفتوح، الشريك الإداري لشركة الراية للاستشارات. وأضاف أبو الفتوح أن البنوك لم تعد تنظر إلى مسارات نمو العملاء، بل تُخضعهم لاختبارات تحمل لتقييم قدرتهم على مواجهة تراجع الجنيه، وهشاشتهم أمام اضطرابات سلاسل الإمداد، وانكشافهم على ارتفاع أسعار الطاقة. وبناء على موقف شركتك من هذه النقاط، ربما تكون تكلفة رأس المال قد ارتفعت بشكل كبير حاليا.
ماذا بعد؟ إذا استمرت هذه الضغوط، فقد ينخفض نمو الائتمان من معدلاته الطبيعية البالغة نحو 5-10%، إذ ستتبنى البنوك نهجا تشديدا "في منح الائتمان، مع إعادة توجيه التمويل نحو القطاعات الدفاعية وزيادة الاهتمام بإدارة السيولة وجودة الأصول، بدلا من التوسع في الإقراض"، وفق ما قاله شوقي. كما أضاف أبو الفتوح أنه "إذا استمرت التوترات، فغالبا ستذهب البنوك إلى خطوة أبعد؛ تمويل أقصر أجلا، وانتقائية أعلى، وتسعير للمخاطر ينطوي على قدر أكبر من التحفظ".