أنهت البورصة المصرية تعاملات الربع الأول على ارتفاع، لكن هذا الأداء يخفي وراءه موجة بيع قوية شهدها مارس، ومثلت أول عقبة كبيرة في اتجاه صعود المؤشر الممتد منذ 15 شهرا. فقد ارتفع المؤشر الرئيسي EGX30 بنسبة 8.4% ليصل إلى 45.3 ألف نقطة في الربع الأول من العام، رغم تراجعه بنسبة 7.9% في مارس على خلفية الضربة القوية التي تلقتها الأسواق بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما تبعها من خروج جزئي لاستثمارات الأجانب من السوق، وفقا للتقرير ربع السنوي (بي دي إف) والشهري (بي دي إف) للبورصة.
الصورة الكاملة
الأمر يتعدى كونه مجرد سيولة تبحث عن الصفقات: "دخلت مصر عام 2026 بتحسن حقيقي في مؤشرات الاقتصاد الكلي — مع تعزيز ميزان المدفوعات، وتقلص عجز الحساب الجاري، وعودة استقرار أسعار الصرف، وتحسن الوضع الخارجي بدعم من تدفقات تجارة الفائدة"، وفق ما قاله كل من الباحثة المشاركة في إي إف جي هيرميس نورا العيسوي، ورئيس قسم بحوث الكيماويات والمواد الأساسية بالشركة يوسف الحسيني لإنتربرايز. جعل هذا المشهد التقييمات "جذابة بشكل متزايد مقارنة بمستوى المخاطر الذي تحسن بشكل ملموس"، مما دعم ما وصفاه بالإقبال القوي والمبرر على الأسهم.
هذا ليس التصحيح المتوقع: "بعد البداية القوية للعام، من الطبيعي أن نشهد حركة تصحيح (حتى وإن ظلت السوق رخيصة نسبيا)، لكن حجم التراجع والتدفقات يشيران إلى أن العوامل الجيوسياسية هي المحرك الرئيسي"، وفق ما صرح به رئيس قطاع البحوث في بلتون القابضة أحمد حافظ لإنتربرايز.
تقلبات سعر الصرف تلقي بظلالها
موجة تخارج للأموال الساخنة: في حين بدأت مصر العام كوجهة مفضلة لمستثمري الأسواق المبتدئة بفضل التقييمات الجاذبة والرياح الاقتصادية المواتية، إلا أن اندلاع الحرب أدى إلى انعكاس اتجاه التدفقات الأجنبية التي شهدها شهرا يناير وفبراير، وفقا لما قاله حافظ.
ضغطت تحركات سعر الصرف بشكل خاص على مراكز المستثمرين الأجانب. وقال الحسيني والعيسوي إن انخفاض قيمة الجنيه "أدى في الوقت ذاته إلى رفع تكلفة التقييم العادل للمراكز المالية المقومة بالجنيه للمستثمرين الأجانب، مما فاقم الضغوط"، واصفين ما حدث بأنه تفكك سريع للركائز التي دعمت إعادة التقييم السابقة.
تذكر – خفض بنك مورجان ستانلي نظرته المستقبلية للأسهم المصرية إلى "الوزن المتساوي" بدلا من "الوزن الزائد" في أوائل مارس، مشيرا إلى تعرض البلاد لمخاطر إضافية باعتبارها مستوردا صافيا للنفط. وأرجع البنك قراره أيضا إلى الرياح المعاكسة المباشرة، بما في ذلك الاعتماد الكبير على السياحة وتضرر إيرادات قناة السويس بفعل الحرب الإقليمية.
ما القطاعات التي أظهرت تماسكا؟
أغلقت غالبية القطاعات الرئيسية على تراجع في مارس وسط تصاعد عمليات جني الأرباح. وكان قطاع خدمات الشحن والنقل الاستثناء الوحيد، إذ ارتفع بنسبة 14.1%. وعلى الجانب الآخر، تراجعت قطاعات تكنولوجيا المعلومات والإعلام والاتصالات بنسبة 10%، تليها الأغذية والمشروبات والتبغ (-8.3%)، والرعاية الصحية والأدوية (-7.4%)، والتشييد والبناء (-7.1%).
قطاعات استفادت من الصدمة.. وأخرى امتصتها: عملت البنوك والموارد الأساسية بشكل فعال كأدوات تحوط، مع استفادة نماذج الإيرادات من ارتفاع أسعار الفائدة وتراجع قيمة العملة وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وفقا للحسيني والعيسوي. على النقيض من ذلك، فإن القطاعات الاستهلاكية — بما في ذلك الأغذية والرعاية الصحية والصناعات — "تستورد مستلزمات إنتاج مسعرة بالدولار، وتبيع منتجاتها محليا بعملة تنخفض قيمتها، وتخدم مستهلكين تتعرض قوتهم الشرائية الحقيقية لضغوط"، مما يتركهم مكشوفين من ناحية التكلفة مع خيارات تعويض محدودة.
نظرة أشمل
"تاسي" السعودي يتفوق على البورصة المصرية: تفوق مؤشر "تاسي" السعودي — الذي تغلب عليه أسهم شركات الطاقة — على البورصة المصرية في مارس، بعد أن قفز بنسبة 5.1% مدعوما بصعود سهم أرامكو مع ارتفاع أسعار النفط. وفي الوقت ذاته، تحمل مؤشر سوق أبو ظبي للأوراق المالية (-8.9%) ومؤشر سوق دبي المالي (-16.4%) العبء الأكبر للاضطرابات الجيوسياسية في المنطقة، إذ تضرر المحركان الرئيسيان للنمو في دبي — السياحة والعقارات.
السيولة المحلية لا تزال متوفرة، لكنها أصبحت أكثر انتقائية. "مع التمتع بواحد من أعلى أسعار الفائدة الحقيقية عالميا، فإن جاذبية أدوات الدخل الثابت قوية للغاية"، بحسب الحسيني والعيسوي، في إشارة إلى أذون الخزانة التي تدر عائدا يفوق 23% مقابل العائد على الأسهم والبالغ نحو 7%. وساعدت عمليات الشراء لاقتناص الفرص الشرائية عند التراجع من جانب المستثمرين الأفراد في التخفيف من حدة التراجعات، لكن رأس المال المؤسسي لا يزال يفضل أدوات الدخل الثابت.
قد يتوقف أي انتعاش مستدام في التدفقات في المقام الأول على العوامل الجيوسياسية. "الأوضاع الجيوسياسية هي مفتاح الحل"، حسبما يرى الحسيني والعيسوي، اللذين اعتبرا أن خفض التصعيد ضروري لتحقيق استقرار سعر الصرف، وتقليص علاوات المخاطر، واستئناف دورة التيسير النقدي من جديد، ومن دون ذلك ستواجه الأسهم صعوبة في منافسة أدوات الدخل الثابت على أساس العائد المعدل بالمخاطر.
أيضا – تصدرت إي إف جي هيرميس ترتيب شركات الوساطة المالية في البورصة المصرية خلال الربع الأول من العام بحصة سوقية بلغت 16.8%، تلتها ثاندر (11.9%)، ومباشر (6.7%)، وفقا للتقرير ربع السنوي (بي دي إف). واحتفظت الشركة أيضا بصدارة الترتيب في شهر مارس بحصة سوقية قدرها 15.9%، متفوقة على ثاندر (12.9%) ومباشر (6.8%)، وفقا للتقرير الشهري (بي دي إف).