👗 مع الضغوط الاقتصادية وتنامي الوعي المستدام بين المستهلكين، برز الاتجاه نحو الملابس المستعملة أو المعاد تدويرها بقوة. فرض هذا التحول نفسه لكونه، ليس مجرد موجة عابرة، بل علامة على التحول الجذري في سلوك المستهلكين على المستوى المحلي والعالمي، إذ يعيد المستهلكون تعريف قيمة ما يرتدونه، لينتقل المعيار من مجرد مواكبة التريند إلى التركيز على محددات رئيسية مثل: المصدر والاستدامة والأثر البيئي.

من البالة إلى الفينتاج

لطالما ارتبطت الملابس المستعملة في الوعي الجمعي المصري على مدار سنوات بالاضطرار المادي، إلا أن المشهد أعيدت صياغته بالكامل تحت مظلة التسوق المستدام. ولعبت منصات مثل تيك توك وإنستجرام دورا محوريا في هذا التحول، إذ نجحت في تجميل ما كان يصنف قديما بالبالة، لتعيد تقديمها تحت مسمى الفينتاج الكلاسيكي. وبفضل استراتيجيات التسويق الجذابة تحولت هذه القطع من وصمة اجتماعية إلى خيار رائج يتسم بالرقي، يتم تقديمها بتنسيق بصري مدروس وجلسات تصوير احترافية تنافس في جودتها كبرى المجلات العالمية المتخصصة في الموضة.

وشهدت أماكن مثل وكالة البلح، إقبالا متزايدا من المهتمين بكسر نمطية المولات، إذ يطاردون قطعا تمنحهم هوية بصرية مستقلة بحثا عن التميز الفردي وهو ما تفتقر إليه الماركات العالمية المكررة التي تملأ واجهات مراكز التسوق الكبرى، وباتت تعاني من تراجع الجودة وسرعة الاستهلاك.

ويمكن اعتبار هذا التوجه رد فعل مباشر، وإن كان غير مقصود، للضغوط التي تفرضها الصناعة التقليدية، فما بدأ كبحث عن التميز الفردي بات يتبلور الآن كأداة لتقليل الهدر، ومواجهة نمط استهلاكي كشفت بياناته عن فجوة مقلقة بين طموحات النمو والواقع البيئي.

بالإضافة للعوامل البيئية، يظل العامل الاقتصادي هو المحرك الأكبر للتحول الحالي في السوق المصرية. فمع القفزات المتتالية في أسعار الملابس الجاهزة، لم يعد التسوق المستدام رفاهية، بل تحول إلى قرار ماليا ذكي وملاذ عملي يوفر قطعا بأسعار تقل بنسبة تتراوح بين 50% و70% عن مثيلاتها الجديدة، مع ميزة إضافية تتمثل في الجودة المستدامة التي تميز بها إنتاج العقود الماضية وتفتقر إليها الموضة السريعة حاليا.

موجة جديدة

ونتيجة لهذا الحراك، برز جيل جديد من المتاجر والعلامات التجارية المحلية يتركز إنتاجها بصورة أساسية على إعادة التدوير، والإنتاج الصديق للبيئة، إذ نجحت في تحويل الهدر إلى قيمة مضافة عبر نماذج عمل مرنة تعتمد بشكل أساسي على المنصات الرقمية، والبيع عبر الإنترنت للوصول لشريحة أوسع من المستهلكين، مثل ألما و كنداكة.

كما لم تكتفي بعض هذه المتاجر بالبيع، بل تحول بعضها إلى مراكز معرفية تقدم ورش تعليمية في فنون إعادة التدوير مثل " من قماش " بهدف تمكين المستهلكين من إصلاح ملابسهم القديمة بدلا من الاستغناء عنها.

"تبلورت فكرة المشروع من خلال تجربتي في العمل المدني"، حسبما قالت مؤسسة من قماش، بسمة توكل، لانتربرايز، إذ واجهت معضلة تكدس التبرعات بملابس لا تصلح للاستخدام بسبب عيوب فنية. "كان الهدف الجوهري هو تحويل المواد المهدرة إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية وجمالية. وبدأنا في التعاون مع مصممين لإعادة صياغة تلك القطع وتحويلها إلى أزياء معاد تدويرها، وهو ما لاقى إقبالا كبيرا من المستهلكين في البازارات والمنصات الرقمية، ما دفعنا لتوسيع نطاق المبادرة عبر تقديم منح مكثفة لتدريب جيل جديد من المصممين على فنون الاستدامة.

مع تزايد الطلبات، بدأت بعض المتاجر الإلكترونية في رفع الأسعار لمستويات تقترب من أسعار الملابس الجديدة، ما يهدد بتحويل الموضة المستدامة، من بديل شعبي إلى سوق للنخبة فقط. هذا التوجه لا يقتصر على السوق المحلية، بل يتقاطع مع توجه عالمي تسعى فيه كبرى العلامات التجارية لاحتواء هذا الوعي الجديد ودمجه في آلياتها الربحية، إذ أعلنت علامة جاني الدنماركية العام الماضي توقيع اتفاقية توريد طويلة الأمد للحصول على ألياف سيكورا المعاد تدويرها، بهدف تقليل اعتمادها على البوليستر التقليدي بنسبة 20%.

انتعاش المبيعات vs استنزاف الموارد

محليا — ارتفع مؤشر إنتاج الملابس بنسبة 33.36% على أساس سنوي في مارس 2025، نتيجة لزيادة الطلب واستعداد المصانع والمتاجر تحديدا في مواسم الأعياد. هذا النهم الإستهلاكي وإن كان ينعش حركة التجارة المحلية، فإنه يضاعف في الوقت ذاته من التحديات البيئية المتمثلة في التخلص من المخزون راكد البيع أو المرتجعات، ما يعزز الحاجة الملحة لتبني ممارسات التسوق المستدام.

لكن خلف هذا الرواج الاستهلاكي، تأتي الانعكاسات البيئية، إذ تستهلك هذه الصناعة عالميا نحو 141 مليار متر مكعب من المياه سنويا، وتساهم بـ 10% من إجمالي الانبعاثات الكربونية عالميا، وهي نسبة تتجاوز انبعاثات قطاعي الطيران والشحن البحري مجتمعين، وفقا لتقرير يونيفورم ماركت لعام 2025.

ولا تتوقف الأزمة عند حدود الإنتاج، بل تمتد لتبعات ما بعد البيع، إذ يولد الاستهلاك العالمي نحو 92 مليون طن من النفايات النسيجية سنويا، ويجري حرق أو دفن ما يعادل شاحنة ملابس كاملة كل ثانية تقريبا، وأقل من 1% فقط من هذه الملابس يتم تدويرها لإنتاج قطع جديدة، ما يحول دورة الاستهلاك الحالية إلى مسار أحادي الاتجاه نحو الهدر البيئي والمادي المفرط، بحسب التقرير.

الهدر الخفي

يظل الجانب الأكبر من دورة الاستهلاك متواريا عن الأنظار، وهو ما يعرف بـ "أزمة المرتجعات" التي باتت تمثل صداعا تشغيليا لقطاع التجزئة العالمي، وبفضل بسياسات الاسترجاع السهل والمجاني التي تتبعها منصات التجارة الإلكترونية لجذب المستهلكين، توقع تقرير اتحاد التجزئة الوطني الأمريكي لعام 2025، أن يصل إجمالي قيمة البضائع المرتجعة بالولايات المتحدة وحدها نحو 850 مليار دولار.

يدفع هذا الكم من المرتجعات الشركات لاتخاذ قرارا اقتصاديا باردا، بتوجيه ملايين القطع الجديدة إلى المكبات أو المحارق بدل إعادة عرضها لتجنب تكاليف تشغيلية تهدد هوامش أرباحها، إذ غالبا ما تتجاوز تكلفة فحص القطعة، والتأكد من سلامتها وإعادة تغليفها وتخزينها قيمتها التصنيعية الأصلية، بحسب يونيفورم ماركت.

وبينما تبدو خطوات التحول نحو الموضة البطيئة خضراء في ظاهرها، إلا أنها تعكس الصراع بين الرغبة في التغيير البيئي الحقيقي واستراتيجيات الاحتواء التجاري التي تسعى لتحويل الوعي إلى مجرد أداة تسويقية تبرر رفع الأسعار، بدلا من أن يكون حلا لأزمة الهدر.

هل نصمد أمام التريند؟ في النهاية، ما بدأ كوسيلة لحماية البيئة والهروب من غلاء الأسعار، وتحول إلى توجه رائج على منصات التواصل يواجه اليوم صراعا بين هوية مستقلة، وآليات سوق تتربص بكل ما هو رائج لرفع سعره، فهل ينجح في الحفاظ على الاستهلاك الذكي كأداة لكسر هيمنة الموضة السريعة؟ أم يتحول الوعي البيئي إلى رفاهية للنخبة، بينما يصبح المنتجات المستعملة مجرد رفاهية أخرى لا يستطيع الفرد البسيط الحصول عليها؟

العلامات: