هل يوقف "المركزي" دورة التيسير النقدي غدا؟ يتوقع غالبية المحللين والخبراء الاقتصاديين الذين استطلعت إنتربرايز آراءهم أن تبقي لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعها يوم الخميس؛ ما يمثل تحولا جذريا عن سردية انتهاء إدارة الأزمة، التي سادت في فبراير الماضي، في ظل ما نشهده من توترات إقليمية أدت إلى تخارج تدفقات رؤوس الأموال، وتراجع قيمة الجنيه، وزيادة مفاجئة في أسعار الوقود.

ومن بين 14 محللا وخبيرا اقتصاديا شملهم الاستطلاع، توقع 11 تثبيت الفائدة، فيما رجح اثنان رفعها بنحو 100 نقطة أساس في إجراء استباقي لمواجهة التضخم، وأبدى أحد المحللين انقساما بين الاحتمالين. لكن ما اتفق عليه المشاركون في الاستطلاع، هو عدم توقع أي منهم استمرار البنك المركزي في دورة التيسير النقدي.

صدمة العرض تهيمن على المشهد: يتفق المحللون بشكل واسع على أن الضغوط التضخمية مدفوعة بصدمات عرض خارجية وليس بطلب محلي، مما يحد من فاعلية رفع الفائدة. وفي هذا الصدد، قال ماجد فهمي، رئيس مجلس إدارة بنك التنمية الصناعية سابقا: "التضخم الحالي ناتج عن عوامل لا ترتبط بالعرض والطلب على السلع.. ولا يمكن معالجته من خلال رفع سعر الفائدة لامتصاص السيولة"، مؤكدا أن التثبيت سيجنب البنك المركزي حدوث انقلاب حاد ومفاجئ في اتجاه السياسة النقدية.

سعر الفائدة الحقيقي يظل هامش أمان: رغم ارتفاع توقعات التضخم، فإن مستويات سعر الفائدة الحقيقي المرتفعة في مصر تمنح البنك مساحة للمناورة. قالت إسراء أحمد، محللة الاقتصاد الكلي بشركة "ثاندر": "البنك المركزي يمتلك بالفعل هامشا مريحا نسبيا بفضل ارتفاع سعر الفائدة الحقيقي، ما يسمح بقدر من ارتفاع التضخم دون الحاجة إلى الاستجابة الفورية".

مرونة سعر الصرف تغير قواعد اللعبة: يرى هاني جنينة، رئيس قسم البحوث في الأهلي فاروس، أنه بخلاف أزمة عام 2022، يتحرك الجنيه الآن بمرونة أكبر. ويضيف جنينة: "ما نشهده حاليا هو في الأساس صدمة في ميزان المدفوعات، وليس تشوها في سعر الصرف"، مشيرا إلى أن سعر الفائدة الحقيقي يظل مرتفعا بما يكفي للحفاظ على جاذبية أدوات الدين المحلية دون الحاجة لمزيد من التشديد.

ترقب قفزة التضخم في مارس: في المقابل، يستند المدافعون عن خيار التشديد إلى بيانات التضخم المتأخرة، فمن المتوقع أن تعكس أرقام مارس (المقرر صدورها في 10 أبريل) التأثير الكامل لزيادة أسعار الوقود بنحو 19% وتراجع الجنيه لمستويات تقترب من 55 جنيها للدولار. ويقول المحلل الاقتصادي الكبير إيهاب سعيد إن البنك المركزي لا بد له أن "يتحوط من الموجة التضخمية بقرار استباقي"، متوقعا زيادة بمعدل 100 نقطة أساس. كذلك أشار سعيد إلى زيادة العائد على أذون الخزانة لأجل 6 أشهر بواقع 150 نقطة أساس في مارس على أنها علامة دالة على أن السوق بدأ بالفعل في تسعير هذه الخطوة.

وأشارت سهر الدماطي، نائبة رئيس بنك مصر سابقا، إلى أن رفع سعر الفائدة يظل سيناريو ثانٍ محتملا، موضحة أن اللجنة قد تتخذ قرارا استباقيا برفع أسعار الفائدة — ربما بنحو 100 نقطة أساس — إذا أظهرت التوقعات ارتفاعا ملحوظا في التضخم، لا سيما مع زيادة أسعار النفط، وإن كانت تميل في نهاية المطاف إلى السيناريو الآخر، الذي يرجح تثبيت الفائدة.

الواقع الجديد للتضخم: رفع المحللون توقعاتهم للتضخم للربع الثاني من عام 2026 بشكل كبير. وتتوقع إيمان مرعي، مديرة إدارة البحوث في شركة فيصل لتداول الأوراق المالية، أن يتوقف البنك المركزي مؤقتا لتقييم التهديد الثلاثي المتمثل في الأوضاع الجيوسياسة والتضخم وأسعار الوقود. وتوقع أحمد حافظ، رئيس قسم البحوث بشركة بلتون القابضة، أن يتسارع الزخم الشهري في مارس ليصل إلى 3%، مما يدفع التضخم السنوي العام إلى أعلى مستوى له في 9 أشهر عند 15%. ومن جانبها، رفعت هبة منير، محلل الاقتصاد الكلي في شركة "إتش سي"، متوسط توقعاتها للتضخم لعام 2026 إلى 13-14% (بدلا من 10-11%)، مشيرة إلى أن تخارج نحو 4 مليارات دولار من استثمارات الأجانب في سوق أذون الخزانة منذ مطلع مارس يفرض اتخاذ موقف حذر. أما محمد أبو باشا، كبير الاقتصاديين في "إي إف جي هيرميس"، فقد قدم التوقعات الأكثر قتامة، إذ يرى التضخم في نطاق 15-16%.

وتتوقع عدة مؤسسات عالمية الآن مسارا أبطأ للتيسير النقدي على مدار العام، فقد قلص دويتشه بنك توقعاته لإجمالي خفض الفائدة في 2026، مشيرا إلى أن "البنك المركزي سيبقى على الأرجح في حالة انتظار طوال النصف الأول من العام"، مرجعا ذلك إلى مخاطر التضخم المتزايدة والسياق الخارجي الصعب". واتفق معه جيسون توفي، نائب كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في كابيتال إيكونوميكس، الذي أشار إلى أن البنك المركزي سيتعامل بحذر أكبر، ولن يلجأ للرفع إلا في حالة "الارتفاع الحاد والمستدام في أسعار الطاقة العالمية أو تعرض الجنيه لضغوط شديدة".

ويبدو أن دورة التيسير النقدي اصطدمت فعليا بحائط سد. وقد لخص الوضع الخبير الاقتصادي هاني أبو الفتوح بكلماته: "نحن نشهد تحولا في سياسة المركزي: من تحفيز النمو، إلى الدفاع عن استقرار الجنيه ومواجهة غلاء المعيشة".