🥙 صراع الهوية والانتماء بين مصر و"إيجيبت": على مدار العقد الماضي، شهد التراث المصري تطورا تدريجيا تجسد في إعادة صياغة وابتكار رموز ثقافية أصيلة لتناسب شريحة ديموغرافية جديدة. تحولت الجلابية التقليدية إلى زي فاخر يباع بآلاف الجنيهات، وأصبح الفن الصعيدي مصدر إلهام للمصممين المعاصرين، فيما تحولت ثقافة الشارع إلى مظهر جمالي.
البداية: في 2012، أحدث مطعم زوبا، الذي أسسه مصطفى الرفاعي وكريس خليفة، ثورة في مشهد المطاعم المحلي من خلال تحويل الأطباق الشعبية الموجودة على كل مائدة مصرية إلى تجربة فاخرة كليا. وبينما رحب البعض بالفكرة، وجد آخرون أنه من غير المنطقي دفع مبالغ باهظة مقابل ساندويتشات فول وطعمية في نهاية الأمر. ومع مرور السنوات، سارت مجموعة من العلامات التجارية على ذات الطريق.
وسط البلد تتحول إلى مساحة جمالية: مؤخرا، أثار أحد المشاريع التي تستلهم فكرتها من الشارع العادي جدلا واسعا في الأوساطالمجتمعية. يقدم مشروع 6901 في منطقة وسط البلد تجربة منتقاة تجمع بين طعام الشارع الفاخر وتصاميم مستوحاة من شوارع المدينة. ورغم نجاحه اللافت، رأت شريحة كبيرة من المجتمع في هذه المساحة التجارية المبتكرة نوعا من الإساءة، إذ يمثل ما يقدمه 6901 واقعهم اليومي المعاش، وليس مجرد تجربة سياحية للترفيه.
ما سر نجاح هذه المشاريع؟ يكمن السبب في إعادة تشكيل الطريقة التي يعرف بها العديد من سكان القاهرة أنفسهم وعلاقاتهم بالآخرين ومفهومهم عن مصر ذاتها. فقد ساهم الانتقال إلى المجمعات السكنية المغلقة، والعيش في مساحات شبه منعزلة على أطراف المدينة في تغيير هذا التوازن. ويمكن تفسير التحول المعاصر نحو إضفاء طابع الشارع وتلميع التراث بأنه محاولة للتوفيق بين التوتر القائم بين الأمان والحيوية، وبين الامتيازات والشعور بالذنب، وبين افتقاد الانتماء المكاني والحنين إلى الجذور، بحسب ما يرى استشاري العلاج النفسي خالد صلاح.
الانتماء البديل: بدلا من الارتباط بالقاهرة كمدينة معقدة ومتعددة الطبقات، أصبح السكان يوجهون انتماءهم نحو مجتمعات ذات علامات تجارية أو أساليب حياة معينة. "تشير الأبحاث التي تناولت المجتمعات المغلقة إلى ارتفاع مستويات الشعور بالأمان والرضا داخل حدودها، وهو ما يتزامن مع تراجع الارتباط بالمدينة الأوسع والأكثر تنوعا"، حسبما يضيف صلاح.
وبمجرد دخول المرء في عزلة مادية، يظهر رد فعل عكسي: سرعان ما تتجلى بعض المظاهر والتحولات المثيرة للاهتمام عندما يحاول السكان سد الفجوة بين الأمان الذي توفره المجتمعات المغلقة وحيوية الشوارع المصرية، بحسب صلاح. وتبرز هنا الرغبة في الانتماء إلى "الشارع"، أي المساحات التي توفر مدخلات حسية وضوضاء وعفوية، إلا أن الكثير من المصريين المنتمين للطبقات العليا لا يفضلون هذا الاحتكاك الواقعي، بل يبحثون عن احتكاك رمزي فقط. وبالتالي، يصبحون أكثر ميلا للمقاهي في وسط البلد أو قوائم الموسيقى الشعبية المنتقاة أو الأماكن الراقية التي تستعير الرموز البصرية لحياة الشارع مع استبعاد مخاطرها.
ولمواجهة مشاعر "التغريب" أو فقدان الانتماء المكاني، تلجأ النخب إلى استهلاك منتجات وتجارب تمنحهم شعورا بالأصالة المصرية، فتصبح زيارة مقاهي وسط البلد أو شراء ملابس ذات طابع تراثي، وسيلة لبناء هوية تشعر بالارتباط بجذورها. ومع ذلك، فإن نجاح هذه المؤسسات أو العلامات التجارية في سد الفجوة الطبقية يعتمد بشكل أقل على المظاهر السطحية، وبشكل أكبر على التساؤل حول: من المستفيد الأكبر؟
يواجه أفراد الطبقة العليا — الذين يدركون التحديات الاقتصادية الحالية — فجوة بين مفهومهم عن أنفسهم وواقعهم الاجتماعي. يمكن أن يكون شراء السلع الفاخرة الأصيلة أو التراثية استراتيجية لتقليص هذه الفجوة، من خلال إعادة تأطير الاستهلاك باعتباره دعما ثقافيا أو رعاية أو مقاومة للعلامات التجارية الغربية، ما يضيق المسافة النفسية بين التمتع بالامتيازات والشعور بالمسؤولية المجتمعية، وفقا لصلاح.
يعد هذا كله مجرد آلية دفاعية لمواجهة مستقبل غامض. ففي أوقات عدم الاستقرار الاقتصادي، يمكن أن يمثل التراجع إلى نسخة محسنة ورومانسية من الماضي آلية للتكيف، بحسب صلاح الذي يضيف قائلا: "بدلا من التعامل مع القضايا المتعلقة بانكماش الطبقة الوسطى أو التعويم أو الضغوط المناخية أو القيود السياسية، يفضل الأفراد التراجع إلى نسخة من مصر تقتصر على لوحة جمالية يمكنهم التحكم فيها".
"من منظور علاجي، يشبه ذلك أسلوب المواجهة بالتجنب، إذ يدار الضغط النفسي من خلال الراحة الرمزية والحسية بدلا من التعامل مع الحزن أو العمل الجماعي أو الانخراط المباشر في الواقع الهيكلي"، حسبما أضاف. فالمصريون يتوقون إلى التجذر، ولكنهم يجدون أنفسهم أمام نسخ تجارية من هذا التجذر، ما يعمق الأزمة الشعورية أكثر فأكثر.
** لقراءة القصة كاملة مصحوبة بكل الروابط، اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى **