🧠 تسببت الحرب في إيران في تداعيات واسعة النطاق أدت إلى حالة من الاضطراب النفسي، والتي جاءت نتيجة للدمار المباشر الذي خلفه القصف الأمريكي والإسرائيلي على إيران وجنوب لبنان. تسود حالة من الخوف والقلق في الدول المجاورة للصراع في أنحاء المنطقة مع ترقب الشعوب لما قد تحمله الأيام المقبلة، وقد بدأت التبعات النفسية لحالة عدم اليقين تؤثر على نمط الحياة في دول عرف عنها الاستقرار كالإمارات وقطر والكويت والبحرين، والتي طالما اتسمت بالرفاهية والهدوء.
"إن من أولى تداعيات الحرب، حتى وإن لم نكن في قلبها، هو فقدان الشعور بالسيطرة والقدرة على التنبؤ بالأحداث والأمان"، بحسب ما قالت أخصائية علم النفس الإرشادي، نورين بن حليم، لإنتربرايز، والتي رصدت في عيادتها زيادة كبيرة في حالات القلق والاكتئاب خلال السنوات الثلاث الماضية، مؤكدة أن الوضع تفاقم خلال الشهر الماضي.
دفعت حالة إنعدام السيطرة وعدم القدرة على التنبؤ الكثيرين نحو الدخول في وضعية البقاء والنجاة، إذ تظل أجهزتنا العصبية في حالة من اليقظة المفرطة والترقب للحدث التالي حتى في ظل غياب أي تهديد مادي مباشر، حسبما صرحت الأخصائية النفسية في مركز نفسولوجي بدبي، سارة المنياوي، لإنتربرايز.
كما تعتمد مستويات الصمود في مواجهة الاضطرابات الإقليمية على التاريخ الشخصي للفرد مع عدم الاستقرار، ففي ظل التنوع الديموجرافي للمقيمين في الإمارات، غالبا ما يظهر القادمون من دول عانت تاريخيا من الأزمات — مثل لبنان وفلسطين وأوكرانيا — قدرة أكبر على تحمل حالة عدم الاستقرار، نظرا لاعتيادهم على التعايش مع الأزمات.
في المقابل يعاني المقيمون المنتمون إلى دول أكثر استقرارا من ضغوط نفسية حادة، ما يدفعهم إلى البحث عن دعم في مجال الصحة النفسية بصورة أكبر مقارنة بغيرهم، إذ تمثل الصدمة غير المباشرة ومشاهدة النزاعات عبر القنوات الرقمية تحديا رئيسيا بالنسبة للأشخاص البعيدين عن ساحات النزاع المسلح، وفقا لما صرحت به بن حليم لإنتربرايز.
"عندما نصل إلى مرحلة نفقد فيها الشعور بالأمان أو السيطرة، فإننا نميل إلى تهويل الأمور، معتقدين أننا الضحايا التاليون"، حسبما أضافت. هذه الظاهرة غالبا ما يصاحبها شعور عميق بالاغتراب أو فقدان المأوى، لا سيما بالنسبة للمغتربين الذين يشعرون أن ملاذهم الآمن لم يعد كما كان.
كما تتفاقم حدة القلق بفعل الرغبة المستمرة في متابعة الشاشات، إذ تؤدي المشاهدة المتواصلة للدمار إلى حالة مزمنة من التأهب للقتال أو الهروب. ويتجلى هذا القلق في صورة أعراض جسدية تشمل الأرق وضعف التركيز والقلق المزمن. "الأمر يتجاوز مجرد لحظة عابرة، فهي حالة قلق طويلة الأمل قد تستمر طالما واصلت تصفح هاتفك"، بحسب المنياوي.
هل نحن مهيؤون لهذا الكم الهائل من المعلومات؟ تؤكد بن حليم أن الطبيعة البشرية ببساطة لم تصمم لاستيعاب هذا التدفق المعلوماتي الجارف، إذ توجد فجوة جوهرية بين تكويننا البيولوجي الموروث والمشهد الرقمي المعاصر.
"نظام الكر والفر فعال في المواجهات القصيرة، لكن الأزمة تكمن في تحوله إلى حالة استنفار دائم"، حسبما أضافت. فقد يعادل التعرض لهذه الصور القاسية التواجد في ساحة معركة، ما يؤدي إلى عواقب تتراوح بين الإجهاد المزمن، أو لجوء الدماغ إلى الانفصال العاطفي التام وفقدان الحساسية تجاه الأحداث.
يضيف إنتشار الأخبار المضللة الناتجة عن الذكاء الاصطناعي عبر منصات التواصل الاجتماعي بعدا جديدا من التعقيد إلى الموقف، إذ يجد الأفراد صعوبة في التمييز بين الواقع والمحتوى المفبرك، في ظل التدفق المستمر لمقاطع الفيديو والتقارير غير الموثقة والمتأثرة بتقنيات الذكاء الاصطناعي. بات المعالجون النفسيون مضطرين في ممارساتهم العلاجية لمساعدة مرضاهم على التحقق من صحة المعلومات التي يستهلكونها كجزء أساسي في إدارة القلق، وهو ما يعد أمرا جديدا نسبيا في مجال الصحة النفسية بالمنطقة، حسبما توضح المنياوي.
تضاعف التنشئة المليئة بالصدمات من وطأة الأحداث على جيل زد، إذ يرى هؤلاء الشباب في الحرب الراهنة أحدث الحلقات ضمن سلسلة من الأزمات المصيرية التي عاصروها، إذ يأتي الصراع في إيران امتدادا لطفولة ومراهقة شهدت اضطرابات الربيع العربي وجائحة كورونا وعدم استقرار الاقتصاد العالمي. وقد سجل هذا الجيل مستويات قياسية من القلق، في ظل كفاحهم للتخطيط للمستقبل ضمن واقع غير مستقر ومليء بالمخاطر، بحسب بن حليم.
أفضل طريقة لإدارة هذا النوع من القلق هي تعزيز الروابط المجتمعية، والتركيز على جوانب محددة في الحياة يمكن السيطرة عليها بشكل مباشر، حسبما يرى الأخصائيون النفسيون. ومن ضمن الممارسات التي تساعد في مواجهة القلق:
- وضع حدود للتعامل مع الإعلام: تؤكد بن حليم ضرورة وضع قيود صارمة على متابعة الأخبار، والانتباه للحظة التي ينبهنا فيها الجهاز العصبي للتوقف.
- تنظيم الجهاز العصبي: تعتمد المنياوي أدوات لتهدئة الجهاز العصبي، مثل تمارين التنفس والتواصل الحسي مع المحيط لإرسال إشارات للدماغ بعدم وجود خطر وشيك.
- مكافحة العزلة: تشير بن حليم إلى ميل الأفراد للانعزال في الأوقات الصعبة، رغم أن التواصل الاجتماعي هو آلية التكيف الأولى للبقاء وتجاوز الأزمات.
- الدعم الأبوي: ينصح الآباء بالحفاظ على روتين يومي لأطفالهم الذين قد يضطرون للدراسة المنزلية، مع العمل على بناء روابط عاطفية توفر لهم شعورا بالأمان بغض النظر عن الفوضى الخارجية.