يفصلنا الآن 78 يوما فقط عن المراجعة السابعة لبرنامج مصر مع صندوق النقد الدولي بموجب تسهيل الصندوق الممدد، إذ حدد الصندوق يوم 15 يونيو موعدا للمراجعة المقبلة، وفقا لأحدث تقرير عن مصر (بي دي إف) صادر عن الصندوق. ولكن من أجل الوصول إلى هذه النقطة، يسلط الصندوق الضوء على ضرورة إحراز تقدم كبير في برنامج الطروحات — بالإضافة إلى تدابير أخرى — بوصفه شرطا أساسيا للإفراج عن مبلغ الـ 3.3 مليار دولار المتبقي من الشريحتين الأخيرتين من التسهيل، بالإضافة إلى تدفقات إضافية من تسهيل الصلابة والاستدامة.

ومن أجل الحصول على بعض الوقت للوفاء بمعايير الصندوق، تطلب مصر تأجيل تاريخ انتهاء البرنامج بأكمله من أكتوبر إلى ديسمبر، كي يصل إجمالي مدة الاتفاق إلى 48 شهرا، بالإضافة إلى تمديد مماثل لتسهيل الصلابة والاستدامة.

ما أهمية الأمر: ينظر الصندوق إلى التخارج من الأصول المملوكة للدولة على أنه أحد المؤشرات الأساسية التي تقيم مساعي البلاد نحو تعزيز نشاط القطاع الخاص وتقليص بصمة الدولة في الاقتصاد، وطريقة رئيسية لسداد الدين القومي. ومع إشارة صندوق النقد الدولي إلى أنه "لم يحدث أي تخارج فعلي خلال الـ 24 شهرا الماضية، في حين جرى إنشاء كيانات جديدة مملوكة للدولة" واقتراب برنامجه مع البلاد من نهايته، توقع أن يضاعف الصندوق مطالبه الخاصة ببرنامج الطروحات الحكومية في المراجعتين المقبلتين.

تمكين القطاع الخاص يتصدر المشهد

تسعى الحكومة لإظهار جديتها والتزامها بالتخارج، ومن ثم أعدت قائمة تضم أربعة أصول مملوكة للدولة من المتوقع أن تدر 1.5 مليار دولار بحلول يونيو، لكن الصندوق يشير إلى أنه "حتى بعد إضافة صفقة بيع أراض للديار القطرية البالغة قيمتها 3.5 مليار دولار، فإن هذا يقل بكثير عن الـ 6.5 مليار دولار المطلوبة لتحقيق المستهدف الأصلي للطروحات ضمن البرنامج". فبداية من من ديسمبر، تضمنت قائمة الطروحات "11 صفقة تخارج إضافية في قطاعات ذات أولوية، بالإضافة إلى 5 شركات مملوكة لجهاز الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة، و7 شركات ضمن برنامج الطروحات"، إلى جانب عقود امتياز لإدارة 11 مطارا، وفقا للتقرير.

ولضمان عدم تعثر البرنامج مجددا، أطلقت الحكومة مؤشرا جديدا متعدد الأبعاد لتتبع التقدم المحرز في وثيقة سياسة ملكية الدولة. ويقدم المؤشر تقييما موضوعيا لمدى فعالية الدولة في تقليص بصمتها الاقتصادية. كذلك يراقب المؤشر الركائز الأساسية لخطة الإصلاح، التي تتضمن وتيرة التخارج من الأصول المملوكة للدولة، وإنفاذ الحياد التنافسي، والتحسينات الشاملة التي تطرأ على بيئة الأعمال. ويهدف هذا النهج القائم على البيانات إلى توفير الشفافية لكل من صندوق النقد الدولي والمستثمرين من القطاع الخاص، والتحديد الدقيق لمواطن الخلل المتبقية في عملية طرح الأصول المملوكة للدولة أمام مستثمري القطاع الخاص.

كذلك ستعمل وحدة مركزية جديدة للشركات المملوكة للدولة تابعة لمجلس الوزراء حاليا على فلترة محفظة الحكومة. وتتولى هذه الوحدة مسؤولية فرز الشركات المملوكة للدولة إلى ثلاثة مسارات متميزة بناء على أهميتها الاستراتيجية. وستنقل الشركات غير الاستراتيجية الجاهزة للسوق إلى وحدة مخصصة للتصفية أو البيع، في حين ستنقل الأصول الاستراتيجية التي تملك قيمة مضافة عالية إلى صندوق مصر السيادي. وسيصعب هذا النظام تأجيل التعامل مع الشركات ذات الأداء الضعيف، إذ ستبقى الكيانات التي تتطلب المزيد من إعادة الهيكلة تحت الإشراف المباشر لوحدة الشركات المملوكة للدولة، حتى تصبح جاهزة للتخارج أو الدمج.

وعلى المستوى التنظيمي، تتجه الدولة نحو نموذج يمنح الأولوية للرقمنة لتذليل العقبات أمام دخول القطاع الخاص. وتستعد الحكومة حاليا لإطلاق منصة رقمية موحدة مصممة لتبسيط تأسيس الشركات وإدارتها عبر 275 نشاطا اقتصاديا مختلفا. وينطوي هذا على إعادة هندسة كاملة لإجراءات التأسيس، مع تعهد الحكومة بنشر تقارير دورية لتتبع مدى فعالية تنفيذ هذه التغييرات على أرض الواقع. وتهدف هذه الإصلاحات — إلى جانب الإصدار المرتقب لوثيقة سياسة ملكية الدولة المعدلة، التي يقول تقرير صندوق النقد الدولي إنها ستكون جاهزة قبل نهاية هذا الشهر — إلى خلق فرص متكافئة يصر الصندوق على ضرورتها لتحقيق تعاف مستدام.

استقرار مالي بخطى ثابتة

تحكم دول الخليج ربط ودائعها البالغة 18.3 مليار دولار لدى البنك المركزي المصري لضمان استمرار برنامج صندوق النقد الدولي حتى خط النهاية في ديسمبر 2026. وفي رسالة رسمية إلى صندوق النقد الدولي، أكد وزير المالية أحمد كجوك ومحافظ البنك المركزي حسن عبد الله حصولهما على "تأكيدات قوية" بأن دول الخليج لن تسحب ودائعها الرسمية طوال مدة سريان تسهيل الصندوق الممدد، ومن الممكن تحويل هذه الأموال لاحقا إلى استثمارات مباشرة.

شبكة أمان: يزيل التعهد بعدم سحب الودائع فعليا خطر حدوث تهافت مفاجئ على سحب الأموال من قبل الدائنين الخليجيين، لا سيما في ظل الأزمة الجيوسياسية الإقليمية التي تلوح في الأفق. تحمل شبكة الأمان هذه — بالإضافة إلى 6.9 مليار دولار جرى تأمينها في شكل تمويلات ميسرة وثنائية — أهمية كبرى؛ نظرا إلى أن الحكومة تتطلع إلى سد فجوة تمويلية تبلغ 17 مليار دولار على مدار العامين الماليين المقبلين. وتحتاج مصر إلى ما يقرب من 13 مليار دولار في هذا العام المالي و4 مليارات دولار أخرى في العام المالي المقبل لتلبية مستهدفات صافي الاحتياطيات الدولية، وفقا للتقرير.

تتجه وزارة المالية أيضا نحو استراتيجية أكثر تطورا لإدارة الديون، تستهدف خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 70%، بحسب التقرير. وتنطوي هذه الخطة على مبادلة الديون قصيرة الأجل باهظة التكلفة بأدوات أطول آجالا، وإطلاق برنامج أسبوعي للصكوك بآجال تتراوح بين 3 إلى 5 سنوات.

لا تزال قدرة مصر على سداد ديونها "كافية"، بحسب صندوق النقد، الذي حذر في الوقت ذاته من أن مدفوعات الفائدة المرتفعة تظل التهديد الأكبر للموازنة، وأن النجاح يعتمد كليا على الالتزام بالجدول الزمني الصارم للبرنامج. وتلتزم الحكومة باستخدام 100% من عائدات اتفاقية الاستثمار مع شركة "الديار القطرية"، إلى جانب 50% من جميع عائدات برنامج الطروحات الأخرى، لسداد الديون، إذ تتطلع إلى خفض إجمالي الاحتياجات التمويلية بنسبة 10% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2027.