💼 في السنوات الخمس الأخيرة، شهدت الساحة العالمية لبيئة العمل المهنية تحولات جذرية هائلة، ففي أعقاب جائحة كورونا، التي رسخت ثقافة العمل عن بعد وحفزت إعادة تقييم التوازن بين الحياة العملية والشخصية، أصبح نموذج أسبوع العمل التقليدي المكون من خمسة أيام محل نقاش واسع. وبينما قادت عدة دول أوروبية وآسيوية مبادرات لتقليص أيام أسبوع العمل، يبقى السؤال المطروح: هل يعد هذا التحول قابلا للتطبيق في ظل المناخ الصناعي والاقتصادي في مصر؟
التجربة العملية
اكتسب هذا الاتجاه زخما في عام 2022، عندما أصبحت بلجيكا أول دولة أوروبية تقر قانونا يتيح خيار أسبوع العمل من أربعة أيام، ما يسمح للموظفين بالحصول على رواتبهم كاملة مع ضغط ساعات عملهم. ومع ذلك، تأتي البيانات الأكثر شمولا من تجربة رائدة أجريت في المملكة المتحدة بين عامي 2022 و2023.
شملت هذه التجربة 60 شركة ونحو 3000 موظف، وعملت وفق نموذج يضمن 100% من الراتب مقابل 80% من وقت العمل، شريطة الحفاظ على الإنتاجية بنسبة 100%. وجاءت النتائج لافتة، إذ قررت 91% من الشركات المشاركة تطبيق النموذج بشكل دائم، ومنحت الشركات التجربة تقييما بلغ 8.5 من 10، في حين سجلت الإنتاجية والأداء العام تقييما بلغ 7.5 من 10. إلى جانب ذلك، ارتفع متوسط الإيرادات بنسبة 35% على أساس سنوي خلال فترة التجربة، بالتزامن مع انخفاض ملحوظ في معدلات تغيب الموظفين.
وخارج المملكة المتحدة، أشار معهد اقتصاديات العمل إلى أن أنظمة العمل المكونة من أربعة أيام أصبحت أكثر شيوعا بثلاث مرات في الولايات المتحدة بين عامي 1973 و2018. وكان هذا التحول مدفوعا إلى حد كبير بتغير التفضيلات نحو استقلالية الموظفين بدلا من التغيرات الصناعية أو الديموغرافية.
ويرى مؤيدو هذا التوجه، الذين تدعمهم مؤسسات مثل Four Day Week Global، أن فوائد أسبوع العمل المضغوط تمتد إلى ما هو أبعد من رفع الروح المعنوية للموظفين. بالنسبة للشركات، تشمل المزايا تعزيز فرص توظيف الكفاءات في سوق تنافسية وتحقيق تخفيضات كبيرة في التكاليف التشغيلية مثل الكهرباء وصيانة المكاتب، فضلا عن تقليل البصمة الكربونية بفضل تراجع حركة تنقل الموظفين.
أين مصر من هذا التوجه؟
بينما يتجه الغرب نحو تقليص أيام العمل، تسير مصر في الاتجاه المعاكس. فقي يوليو 2024، صدرت توجيهات للهيئة العامة للتنمية الصناعية بتمديد أيام عملها من خمسة إلى ستة أيام، لتعمل من السبت إلى الخميس. وتهدف هذه الخطوة إلى تسريع إصدار التراخيص الصناعية وتقديم دعم أقوى للمستثمرين، ما يعكس أولوية وطنية لتعزيز الإنتاجية الصناعية.
ومع ذلك، قد تمهد الضغوط الاقتصادية الكلية — خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة — مسارا بديلا لنموذج أيام العمل الأربعة، إذ تدرس الحكومة إلزام موظفي القطاعين العام والخاص بالعمل عن بعد ليوم أو اثنين بهدف ترشيد استهلاك الطاقة وسط أزمات الوقود والكهرباء المستمرة. ويشير ذلك إلى أن مرونة بيئة العمل في مصر قد تنبع من الضرورة وإدارة الموارد، وليس بالضرورة استجابة لتحولات ثقافية بحتة.
في صدارة المشهد
نماذج محلية: طبق مكتب يوسف وشركاه للاستشارات القانونية والتحكيم تجربة أسبوع عمل من أربعة أيام في أغسطس 2024. وأشارت مديرة تطوير الأعمال في المكتب فريدة مصطفى إلى أنه رغم طبيعة العمل القانوني التي تتسم بضغوط عالية ونادرا ما تتناسب مع القوالب التقليدية، أتاحت التجربة لفريق العمل إدارة المهام بكفاءة أكبر، كما جاءت ردود الفعل الداخلية إيجابية للغاية.
وفي استطلاع داخلي حول التجربة، أكد 91% من العاملين في المكتب أنهم "أحبوا التجربة تماما"، بينما قال 8% إنها أعجبتهم، واختار 1% فقط موقفا محايدا. وقالت المحامية راما الجندي، إنها عملت في المتوسط بين 6 إلى 8 ساعات يوميا خلال فترة التجربة، موضحة أن ذلك كان يتطلب أحيانا ساعات عمل أطول يوميا ولكن مع أسبوع عمل أقصر إجمالا، بناء على حجم ضغط العمل. وأضافت الجندي أن اليوم الإضافي من العطلة منحها مزيدا من الوقت للراحة والتدريب والتواصل مع الأصدقاء والعائلة وحضور الفعاليات، إلى جانب إنجاز المهام الشخصية والمعاملات الحكومية والبنكية التي تتطلب عادة وقتا إضافيا.
وبالمثل، أجرت شركة بشر سوفت التكنولوجية الناشئة تجربة مماثلة في عام 2022، وجاءت نتائجها متوافقة مع الاتجاهات العالمية، إذ سجل 89% من الموظفين إنتاجية أعلى، في حين انخفضت مستويات التوتر لدى 93% منهم. والأهم من ذلك، أكدت الشركة استقرار أو تحسن نتائج الأعمال طوال تلك الفترة.
ومع ذلك، لا يخلو هذا التحول من التحديات. فقد سلطت مراجعة منهجية أجريت عام 2023 الضوء على أن أنظمة العمل المضغوطة قد تؤدي إلى زيادة الضغوط، إذ يواجه الموظفون كثافة في حجم العمل لتسليم المهام في إطار زمني أقصر. كما يتطلب الحفاظ على مستوى خدمة العملاء والتعاون الداخلي تخطيطا لوجستيا دقيقا، فضلا عن وجود مخاطر تتمثل في احتمال تلاشي التأثير الإيجابي الأولي على الروح المعنوية بمجرد أن يصبح أسبوع الأيام الأربعة هو المعيار الطبيعي.
وفي اقتصاد يوازن حاليا بين التوسع الصناعي وترشيد استهلاك الطاقة، قد يبرز أسبوع العمل من أربعة أيام في النهاية ليس كرفاهية، بل كأداة استراتيجية لرفع الكفاءة التشغيلية.