أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي حزمة جديدة من إجراءات التقشف ستدخل حيز التنفيذ بدءا من السبت 28 مارس، في محاولة من الحكومة لاحتواء فاتورة الطاقة المتضخمة دون إثارة موجة تضخمية جديدة وسط الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأمريكية المستمرة، وفق ما جاء خلال مؤتمر صحفي عقد قبيل عطلة العيد (شاهد 37:18 دقيقة).

وتشمل الإجراءات تقديم مواعيد إغلاق الأنشطة التجارية، وترشيد الإنارة العامة، وإغلاق المباني الحكومية في العاصمة الإدارية الجديدة بعد ساعات العمل، وإبطاء وتيرة المشروعات كثيفة استهلاك السولار مؤقتا. وتدرس الحكومة أيضا تطبيق نظام العمل عن بُعد لمدة يوم أو يومين أسبوعيا بالقطاعين الحكومي والخاص.

لماذا يكتسب هذا الأمر أهمية؟ تسعى الحكومة لتحقيق توازن دقيق بين الضغوط المالية، والسيطرة على التضخم، وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي. وبدلا من تمرير الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة العالمية إلى المستهلكين، تنقل هذه الإجراءات عبء التكيف فعليا إلى ساعات العمل والاستهلاك العام والنشاط التجاري. ويساعد ذلك في حماية الأسر على المدى القصير، لكنه يضع ضغوطا فورية على قطاعات مثل التجزئة والضيافة والترفيه، التي تعتمد بشكل كبير على الطلب المسائي.

التفاصيل

ستغلق المحال والمولات والمطاعم والكافيهات في تمام الساعة 9 مساء خلال أيام الأسبوع، وفي الساعة 10 مساء يومي الخميس والجمعة. وأوضح رئيس الوزراء أن هذه الإجراءات ستطبق لمدة شهر مبدئيا على أن تخضع للمراجعة لاحقا.

كذلك تعمل الدولة على خفض استهلاك الطاقة في القطاع العام، إذ ستتوقف إنارة الإعلانات على الطرق، وستخفض إنارة الشوارع إلى "الحد الأدنى لمستويات الأمان"، بجانب إغلاق المباني الحكومية في العاصمة الإدارية الساعة 6 مساء، مع استكمال أي أعمال إدارية إضافية عن بُعد، بحسب مدبولي.

وفي غضون ذلك، ستلجأ الحكومة إلى تأجيل المشروعات القومية كثيفة استهلاك السولار أو إبطائها، بجانب تجميد أو تأجيل بنود مختارة من المصروفات في الموازنة للحفاظ على السيولة وإدارة استهلاك الوقود، وهي إجراءات ستطبق أيضا لمدة شهر مبدئيا مع خضوعها للمراجعة، وفقا لمدبولي.

وتدرس الحكومة كذلك تطبيق العمل عن بُعد ليوم أو يومين أسبوعيا. وفي حال إقراره، ستكون هذه هي المرة الثانية التي تطبق فيها الحكومة العمل عن بُعد جزئيا بسبب ضغوط الطاقة، بعد تطبيقه في أيام الأحد خلال شهري أغسطس وسبتمبر 2023 إبان ذروة نقص إنتاج الغاز الطبيعي وانقطاعات الكهرباء.

ولكن هذه المرة، تدرس الحكومة توسيع نطاق العمل عن بُعد ليشمل شركات القطاع الخاص أيضا. ولكن تُستثنى من هذا المصانع، والمرافق، والبنية التحتية للنقل، وخدمات الرعاية الصحية، إذ تواصل الحكومة منح الأولوية لاستمرار الإنتاج والخدمات الأساسية. وسنراقب من كثب كيفية تنفيذ الحكومة هذا القرار وآليات الرقابة عليه في حال تطبيقه.

ومن اللافت أن مدبولي لم يتطرق إلى العودة إلى نظام تخفيف الأحمال الكهربائية عن المنازل في هذه المرحلة، مما يشير إلى أن الحكومة لا تزال تحاول إدارة الأزمة دون اللجوء إلى قطع التيار المباشر عن المناطق السكنية.

ولن تتعرض الحكومة لأسعار الخبز المدعم رغم ارتفاع تكاليف الإنتاج؛ فقد ذكر مدبولي أن تكلفة إنتاج الرغيف ارتفعت بواقع 20-25 قرشا إضافية نتيجة زيادة تكاليف الوقود. ومع إنتاج الدولة لنحو 270 مليون رغيف يوميا، يتزايد العبء المالي تزايدا حادا، لكنه أكد أن أي خطوة تمس أسعار الخبز — لاسيما لمحدودي الدخل — تؤجل لأطول فترة ممكنة.

وشدد رئيس الوزراء على أن الحفاظ على الإنتاج الصناعي هو الأولوية القصوى. وتسعى الحكومة لضمان توفر السلع في الأسواق لتجنب نقص المعروض وقفزات الأسعار.

الخبر الجيد: أكد مدبولي توفر مخزونات كافية من المواد الخام — تصل في بعض الحالات إلى استهلاك عام كامل — مما يقلل من المخاوف الفورية بشأن تعطل الإنتاج، وفق ما ورد في اجتماعاته التي عقدها مع اتحادات الصناعات.

صدمة الأرقام

قفزت فاتورة استيراد الغاز الطبيعي الشهرية في مصر من 560 مليون دولار قبل الحرب إلى 1.65 مليار دولار لنفس الكميات حاليا، بزيادة تقترب من 1.1 مليار دولار شهريا. وارتفعت أسعار الخام من 69 دولارا للبرميل قبل الصراع ومن 93 دولارا في الوقت الذي شهد آخر قرارات إعادة التسعير الحكومية، ليصل إلى 108.5 دولار (في وقت انعقاد المؤتمر الصحفي)، مع وجود توقعات تشير إلى وصوله لمستوى 150-200 دولار في حال تصاعد الصراع بشكل أكبر، بحسب رئيس الوزراء.

وشهد السولار — وهو عصب النقل واللوجستيات وجزء كبير من الاقتصاد — واحدة من أكبر الزيادات؛ فقد ارتفعت أسعار استيراده من 665 دولارا للطن إلى 1604 دولارات للطن. وقفزت كذلك أسعار البوتاجاز بأكثر من 30%.

النتيجة: وزادت فاتورة الطاقة في البلاد بمقدار الضعف فعليا أو أكثر، مع عدم وجود أفق زمني واضح لعودة الأمور إلى طبيعتها. وحذر رئيس الوزراء من أن الأزمة قد تستمر لأسابيع أو شهور أو ربما لفترة أطول، مع وجود سيناريوهات بأن تمتد لفترة أطول من ذلك.

سيناريو مرتقب استعدت له الحكومة: حذر مدبولي سابقا في أكتوبر 2024، عند اندلاع المواجهات العسكرية المباشرة الأولى بين تل أبيب وطهران، من أن نشوب حرب إقليمية شاملة سيدفع مصر إلى وضع "اقتصاد الحرب"، وهو السيناريو الذي بدأ يتحقق الآن.

أيضا- ستعلن الحكومة عن زيادة في الحد الأدنى للأجور بالتزامن مع إقرار الموازنة العامة الجديدة للدولة، المتوقع قبل نهاية الشهرالجاري. وأشار مدبولي خلال المؤتمر الصحفي إلى أن مشروع الموازنة سيُعرض على البرلمان في موعد أقصاه 31 مارس، تماشيا مع الاستحقاقات الدستورية.