🍪 بعد أن ودعنا الكنافة والقطايف، يحين الآن موعد الكحك السنوي. وعلى مدى قرون – وربما آلاف السنين وفقا لبعض الروايات – أثبت كحك العيد أنه عنصر أساسي لا غنى عنه مع حلول كل عيد. وفي اقتصاد عالمي مهووس بكل ما هو جديد، نجحت منتجات قليلة في الصمود أمام اختبار الزمن دون حاجة تذكر للتطوير، والكحك هو أحد هذه المنتجات، فكيف صمد بهذه السلاسة؟ وما الذي يمكننا تعلمه من هذه الحلوى المصرية حول استمرارية المنتجات وبناء العلامات التجارية والتسويق؟
تاريخ الكحك
لم يشهد أي جيل على قيد الحياة عيدا دون كحك، ولكن إلى أي مدى يمتد هذا التقليد؟ يمتد تاريخ الكحك إلى مصر القديمة، إذ تظهر أدلة على وجوده في النقوش على جدران المعابد في صعيد مصر، والتي تصور عملية إعداده، كما يذهب البعض إلى الاعتقاد بالعثور على وصفة قديمة للكحك على جدران الهرم الأكبر. ورغم أن الوصفة شهدت بالتأكيد نوعا من التطور منذ نشأتها، إلا أن الكحك يظل جانبا لا يمحى من تراثنا المصري.
كما يعتقد أن أصل كلمة كحك قبطي، تحولت إلى اسم لهذا النوع من المخبوزات استمر استخدامه في احتفالات عيد الميلاد المجيد، ولاحقا في احتفالات عيد الفطر. وخلال القرن العاشر تقريبا، اتخذ الكحك طابعا سياسيا، مع وجود مزاعم بأن المسؤولين الحكوميين والخلفاء الحاكمين كانوا يخبزون الذهب والعملات المعدنية داخل هذه الحلوى لتوزيعها على العامة لكسب ودهم.
بناء ارتباط عاطفي
الكحك منتج يلبي الحاجة الإنسانية الصادقة إلى التواصل، وعندما يصبح أي منتج جزءا من طقوس معينة، فإن احتمالية التخلي عنه تصبح أقل مع مرور الوقت. والسر هنا يكمن في تحديد الدور العاطفي الذي يجب أن يلعبه منتجك، فقد صمد الكحك لهذا السبب آلاف السنين أمام التغيرات في الأنظمة والتحولات الاقتصادية والاتجاهات الحديثة في الطهي. وبالأرقام، يعد الكحك واحدا من أكثر الرهانات أمانا في السوق المصرية.
ورغم أن محلات الحلويات الحديثة قد تميل إلى تجربة "افتكاسات" غريبة بين الحين والآخر، إلا أن أصناف الكحك الكلاسيكية هي التي تدعم الميزانيات العمومية للشركات. وبالنسبة لأي شركة، يعد تحديد هذا المنتج الأساسي – الذي لا يتطلب أي شرح للمستهلك – هو مفتاح الاستقرار على المدى الطويل.
يقدم الكحك في جوهره تجربة إنسانية مشتركة، وعندما يتحول المنتج ليصبح ركيزة ثقافية، فإنه ينتقل من كونه مجرد بند آخر للإنفاق التقديري إلى عملية شراء غير قابلة للتفاوض. ويرجع ذلك إلى ارتباطه بمعلم زمني محدد يتفرد عن غيره من الأيام العادية مثل الأعياد في هذه الحالة. غالبا ما تدفع هذه الأحداث الزمنية الحاجة الإنسانية للانتماء إلى الجماعة، ما يوجه المستهلكين نحو "الاستهلاك القائم على الحنين إلى الماضي"، إذ يشترون منتجات أو ينخرطون في تجارب تذكرهم بهذا الحدث أو اليوم، وفقا لدراسة أجريت عام 2024.
منجم ذهب لرواد الأعمال والمسوقين: إذا تمكنت من صياغة منتجك ليقترن أو يكمل أحد الأحداث الموسمية المهمة، فستحقق استدامة تفوق ما يمكن لأي ميزانية تسويقية أن تشتريه، ومن خلال ربط عروضك الأساسية بهذه الأحداث، ستبني ثقة تدوم على مدار العام.
سلاح ذو حدين
في عالم التسويق، يمثل الابتكار سلاحا ذو حدين، إذ غالبا ما نرى إضافات غير ضرورية توضع على منتجات مثالية بالفعل، وحلويات رمضان خير دليل. بالتأكيد، قد تنجح بعض هذه الإضافات في جني الأرباح وجذب فئات مستهلكين جديدة، لكن ذلك يأتي مع خطر تنفير المدافعين عن العلامة التجارية والذين يدعمون المنتج الأصلي.
منتجك ليس بحاجة إلى كل تلك التغييرات: رغم الأهمية القصوى للابتكار المستمر، فإن طريقة تنفيذه لا يجب أن تقتصر على المنتجذاته، بحسب رويل دي جراف، مؤلف كتاب 180 Business Hacks: Little Changes, Big Difference. وبدلا من محاولة تغيير ما جرى تجريبه واختباره وأثبت نجاحه بالفعل، يؤكد دي جراف أن الاستراتيجيات التي تركز على ابتكار جوانب معينة من الخدمة الشاملة المقدمة هي الطريق الأفضل. على سبيل المثال، يمكن أن يتخذ الابتكار شكل تحسين الحضور عبر الإنترنت وتوسيع شبكات التوصيل وتقديم دعم عملاء من الدرجة الأولى.
وبالنظر إلى محلات الحلويات في مصر، يصبح هذا النهج أكثر وضوحا: لا يزال المنتج الأساسي كما هو، إلا أن الأمر برمته يتعلق بالتموضع في السوق. ومع تطور كحك العيد ليصبح منتجا شديد الشيوع لدى كل علامة حلويات، أصبح التركيز أقل على الحلوى نفسها وأكثر على هوية من يبيعها. تقدم بعض العلامات التجارية مثل سيموندس الكحك السواريه الصغير بما يكفي ليكون قضمة في حد ذاته، ودوكس التي تقدم الكحك في عبوات فاخرة تناسب الباحثين عن هدايا احتفالية قيمة، في حين ركزت علامات أخرى مثل العبد وبسكو مصر على توفير منتجاتها بسهولة وبأسعار في متناول الجميع.
وفي حين تتسابق الشركات غالبا لتحسين منتجاتها والابتكار وملاحقة ما يطلبه المستخدمون، يذكرنا طعام بسيط كالكحك بأن أبرز الشركات وأكثرها مرونة لا تعتمد بالضرورة على الحداثة وإعادة الهيكلة، بل قد تبني نجاحها على الطقوس والحنين، ومعرفة كيفية تحقيق أقصى استفادة منها.