💸 تقاليد العيد في مصر والمنطقة بقيت راسخة لقرون، من شراء ملابس العيد والكحك والبسكويت، إلى العزومات العائلية وصولا إلى العيدية، والتي تمثل وحدها تقليدا راسخا في العيد. تصف العيدية تلك العادة التي يمنح فيها الآباء والأقارب وأصدقاء العائلة الأطفال الصغار مبلغا معينا من المال، يختلف باختلاف صلة القرابة والعمر ومدى لطف الطفل وأدبه.
تاريخ العيدية
العيدية تمثل طقسا أساسيا، وهدية تمنح دون توقع أي مقابل. وبعيدا عن نشر البهجة وفرحة العيد، لطالما كانت العيدية وسيلة يعلم بها الآباء أبناءهم الصغار أساسيات التمويل والإدخار. فبالنسبة لطفل في العاشرة من عمره، لا شيء يفوق الحصول على مجموعة من الأوراق النقدية الجديدة التي تفتح أمامه آفاقا واسعة وربما تدفعه للركض فورا نحو أقرب متجر.
ويعتقد أن هذا الطقس يعود إلى القرن العاشر في القاهرة، إذ بدأت العيدية كشكل من أشكال المنح التي توزعها الدولة لإرضاءالمواطنين. وفي القرون التي تلت ذلك، اتخذت العيدية أشكالا لا حصر لها قبل أن تصبح على ما هي عليه اليوم خلال العهد العثماني، عندما تراجعت مسئولية الدولة عنها، وتحولت إلى تبادل ثقافي واجتماعي.
وفي السنوات الأخيرة، تطورت العيدية بشكلها المعتاد أيضا. فاليوم، لم تعد العيدية تقتصر بصرامة على الهدايا المالية من الأكبر إلى الأصغر سنا، بل أصبحت شائعة بين الأحباء والأصدقاء، وحتى زملاء العمل في بعض الأحيان. ولم يعد تسليم العيدية نقدا كافيا، إذ ابتكرت العديد من الشركات المصرية طرقا إبداعية لتقديم هذه الهدية النقدية، بدءا من علب الهدايا المخصصة وصولا إلى أظرف العيدية المصممة خصيصا.
عيدية ديجيتال
مع التحول الضخم الذي يشهده العالم وتحديدا مصر في البنية التحتية الرقمية، تغيرت وسائل تقديم العيدية أيضا. على سبيل المثال، شهدت بطاقات الهدايا الإلكترونية رواجا أكبر، خاصة في شهر رمضان والعيد، إذ راهنت شركة التكنولوجيا " يو جوتأجيفت " ومقرها الرياض على هذا التحول الرقمي، وقدمت بطاقات عيدية مسبقة الدفع للشركات. كما أن الأموال النقدية الرقمية كهدية ليست ظاهرة نادرة في مصر، إذ تتبنى شركة تيلدا هذه الفكرة عبر مختلف العطلات والمناسبات السنوية.
هناك الكثير من الإمكانات الواعدة لشركات التكنولوجيا المالية المحلية في هذا الصدد، والصين تمثل خير مثال. لقرون طويلة، احتفلت العائلات الصينية بمهرجان الربيع والمناسبات الخاصة الأخرى بتقليد "الهونج باو" وهي أظرف حمراء مليئة بالأموال النقدية. وفي يناير 2014، قامت شركة التكنولوجيا العملاقة تينسنت برقمنة هذا التقليد من خلال إطلاق الأظرف الحمراء داخل تطبيق المراسلة الخاص بها وي تشات. إلا أن هذه الأظرف لم تكن هدايا نقدية عادية، بل اعتمدت على فكرة مبتكرة تركز على توزيع الأموال عشوائيا لإرسال مبالغ مختلفة إلى مستفيدين محددين. وهذا يعني أن الشركة قد أخذت تقليدا راسخا، واستفادت من التحول المتسارع في البنية التحتية الرقمية، والأهم من ذلك، أنها جعلت منه ممارسة ممتعة ومختلفة.
وفي خلال أيام قليلة من إطلاق تلك الخدمة، تبادل المستخدمون الصينيون أكثر من 20 مليون ظرف رقمي، وبعد عام واحد وصل الرقم الإجمالي إلى 3.2 مليار ظرف. وهكذا، أعاد تقليد قديم ابتكار نفسه، ليقدم للمستخدمين تجربة ممتعة وللشركات فرصة ذهبية للربح. وفي مصر، هناك الكثير من الدروس التي يمكن للشركات الكبرى الاستفادة منها، حسبما أكد الرئيس التنفيذي لشركة جوميا مصر عبد اللطيف أسامة.
تقف مصر حاليا على شفا ثورة رقمية شاملة، تقودها استراتيجية التحول التي يتبناها البنك المركزي المصري. وتعد البنية التحتية لتكرار التجربة الصينية متوفرة محليا، لكن لم يبادر أحد حتى الآن لاقتناص هذه الفرصة بعد. وبالنظر إلى الواقع، فالفرصة مواتية للغاية، إذ بلغ عدد المحافظ الإلكترونية المسجلة في مصر 55.5 مليون محفظة بحلول النصف الأول من عام 2025. كما غيرت شبكة المدفوعات اللحظية إنستاباي قواعد اللعبة فيما يتعلق بالتحويلات المالية، ففي النصف الأول من عام 2025 وحده، أجرى أكثر من 16 مليون مستخدم أكثر من 1.1 مليار معاملة بقيمة ضخمة بلغت 2.4 تريليون جنيه.
ربما تكون مصر هي من ابتكرت تقليد العيدية، ولكن هل تقود مسيرة تطورها؟ نتمنى ذلك حقا.