الحرب المستمرة تعني أنه — على الأقل في الوقت الحالي — "المستثمرون يتوخون الحذر تجاه المنطقة بأسرها"، وفقا لما قاله الشريك الإداري لشركة زيلا كابيتال عمر الشنيطي لإنتربرايز. ورغم بعدها الجغرافي والسياسي عن بؤرة الصراع، فإن "مصر ليست في مأمن من تداعياته؛ فالمنطقة بأسرها تشترك في ازدهار وانكماش الدورات الاقتصادية"، وفقا لما قاله الشريك المؤسس والعضو المنتدب لشركة مورفو إنفستمنتس أيمن سليمان لإنتربرايز، موضحا أن "هناك دائما بعض التأثيرات غير المباشرة في أسواق المال العالمية — حيث تميل الرغبة في المخاطرة إلى الانتقال على المستوى الإقليمي".

هل مصر مكشوفة أمام الأزمة؟ نعم، ولكن لأسباب تختلف عن دول الخليج

ميزان الطاقة يحكم: على الرغم من أنه "لا توجد دولة في هذه المنطقة بمعزل تماما، [...] إلا أن مصر تواجه ضغوطا حقيقية على المدى القريب بصفتها مستوردا صافيا للطاقة في ظل ارتفاع أسعار النفط العالمية"، حسبما صرح الشريك الإداري في شركة فاونديشن فينتشرز مازن نديم لإنتربرايز. "ملف مخاطر مصر يختلف هيكليا عن الأسواق الأقرب إلى الصراع، فتأثرها في المقام الأول اقتصادي وغير مباشر، وتشكل هذه الحقيقة الجغرافية حاجزا واقيا مهما"، حسبما أضاف لإنتربرايز.

بالنسبة للعديد من المستثمرين، لا تكمن المخاطر في مصر في الجانب الأمني، بل في الثقة بالقدرة على تحويل الأرباح إلى الخارج في أوقات الأزمات. وعلى عكس دول الخليج التي يمكنها توفير سيولة دولارية ونقل رؤوس الأموال عبر الحدود، فإن التجارب السابقة لمصر قبل تعويم الجنيه تعني، بشكل مفهوم، أن هذا الأمر لا يزال "مصدر قلق دائم للمستثمرين في مصر، خاصة أولئك الذين لا يتخذون من السوق قاعدة للتصدير بشكل أساسي"، وفقا لما قاله عبد الله صالح كبير محللي المخاطر الدولية في وحدة أبحاث "بي إم آي" التابعة لمؤسسة فيتش سوليوشنز لإنتربرايز.

تحول اهتمام المستثمرين من الخليج إلى مصر لا يبدو قريبا

على الورق، قد تبدو مصر خيارا استثماريا أكثر جاذبية، إلا أن الوجهتين تجتذبان فئات مختلفة من المستثمرين. "لطالما قدمت مصر ودول مجلس التعاون الخليجي — سواء في الماضي أو الحاضر— قصصا استثمارية تكاملية وليست تنافسية"، حسبما أوضح سليمان.

"ما نشهده حاليا ليس سوى دورة أخبار قصير الأجل"، وفق ما قاله سليمان الذي أكد أن دول الخليج ستظل جاذبة للاستثمار بفضل ما تتمتع به من "سيولة عميقة، ومؤسسات قوية، وبرامج تنويع اقتصادي طموحة". "لقد كانت دول الخليج وستظل وجهة استثمارية رئيسية، وبالمثل ستستمر مصر في تقديم مزايا الحجم الاستهلاكي، والزخم الديموغرافي، وإمكانات هائلة لتعزيز الإنتاجية"، حسبما أضاف سليمان.

إذا كان لمصر منافس حقيقي سيكون المغرب، الذي يعد المنافس الرئيسي لها في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، لا سيما أنه ظل بمنأى إلى حد كبير عن تداعيات الحرب الإسرائيلية على غزة والصراعات اللاحقة على عكس مصر، بحسب صالح.

العوامل الجاذبة — أو المنفرة — للمستثمرين ستظل قائمة

ستضع الحرب أوزارها في النهاية، لتترك وراءها أساسيات السوق التي شكلت نقطة الجذب الأولى للمستثمرين في كل من مصر ودول الخليج. "كانت البنية الهيكلية للاقتصاد المصري قوية قبل هذه الأزمة، وما زالت تحافظ على صلابتها خلالها، وستزداد قوة بعد انتهائها"، حسبما أكد نديم.

"تتركز محادثات فاونديشن فينتشرز مع المستثمرين ذوي الرؤى طويلة الأجل حول التأكيد على مسار استثماري كان راسخا بالفعل"، حسبما أوضح نديم، مشيرا إلى الصورة الأشمل والأطول أجلا التي تبدو جلية "اقتصادا ضخما يمضي في مسار إصلاحي موثوق، وموقعا جغرافيا استراتيجيا، وعمالة ماهرة بتكلفة تنافسية، إلى جانب حكومة أثبتت قدرتها على الصمود وإدارة الأزمات".

ورغم أن عدم الاستقرار قد يزيد من الحذر في الأسواق الناشئة على المدى القصير، فإن "المستثمرين المتمرسين قادرون على التمييز بين التقلبات العابرة والإمكانات الهيكلية"، وفقا لسليمان الذي أوضح أن "فترات عدم اليقين الإقليمي غالبا ما تزيد من تركيز المستثمرين على الأسواق التي تتمتع بطلب محلي قوي ومحركات اقتصادية متنوعة".

مرونة سلاسل الإمداد مفتاح جاذبية مصر لمستثمري الخليج

رغم أن "مزايا مصر الجغرافية ليست جديدة" أو مجهولة، فإن العالم يولي اليوم "اهتماما أكبر بكثير لمرونة سلاسل الإمداد"، وفقا لما قاله نديم لإنتربرايز. وفي ظل الدور الفعلي الذي تلعبه مصر في تسهيل صادرات الطاقة الخليجية عبر خط أنابيب سوميد والبنية التحتية بالبحر الأحمر، إلى جانب دعم الطرق البرية التي نادرا ما كانت تستخدم في السابق لنقل البضائع وسط إغلاق مضيق هرمز، تثبت البلاد قدرتها على العمل كبوابة للأسواق العالمية. وحتى عندما تضع الحرب أوزارها، ستبقى ذكرى الصراع حية، ومعها احتمالات تجدد النزاعات في المستقبل، وتنامي الرغبة في تأمين بدائل فعالة وموثوقة لسلاسل الإمداد.

لكن، بينما قد يفضل المستثمرون من خارج المنطقة الانتظار لاستئناف نشاطهم كالمعتاد، قد لا ينطبق هذا بالضرورة على المستثمرين الخليجيين ممن لديهم اهتمامات في مصر خارج نطاق سلاسل الإمداد. "هناك مخاوف من احتمالية تباطؤ وتيرة العمل في المشروعات السياحية المدعومة باستثمارات خليجية، مثل مشروعي رأس الحكمة وعلم الروم"، بحسب صالح الذي يرى أيضا أن المشروعات المماثلة قد لا تحظى بنفس الزخم في المستقبل نظرا لأن "الضغوط الاقتصادية على المدى القريب [...] تلقي بظلالها على معنويات المستثمرين تجاه مصر".

ماذا بعد؟ يمكننا التكهن قدر المستطاع، لكن الحقيقة الراسخة أن "شهية المستثمرين ستظل قيد الاختبار حتى تهدأ وتيرة الصراع"، بحسب الشنيطي، في ظل حالة عدم اليقين بشأن أمد الحرب أو كيفية انتهائها. وفي حين "يتخذ المستثمرون حاليا وضع الترقب والانتظار لحين استقرار الأوضاع"، فإنهم سيعيدون تقييم المنطقة مستقبلا، وقد ينظرون إلى مصر "باعتبارها [أقل انكشافا للمخاطر] بكثير مقارنة بأسواق دول مجلس التعاون الخليجي من الناحية السياسية، وهو ما قد يحمل تداعيات إيجابية طويلة الأجل على مناخ الاستثمار في مصر"، حسبما أضاف.