عاود معدل التضخم السنوي في المدن المصرية الارتفاع في فبراير مسجلا 13.4%، مقارنة بـ 11.9% في يناير، وفق بيانات صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء اطلعت عليها إنتربرايز. وتأتي هذه القراءة، التي سبقت التأثير الكامل للحرب الإقليمية التي اندلعت في أواخر فبراير، لتدفع المحللين إلى توقع توقف مؤكد، وربما انعكاس في دورة التيسير النقدي التي شرع فيها البنك المركزي المصري سابقا. وعلى أساس شهري، سجل التضخم ارتفاعا حادا إلى 2.8% في فبراير، مقارنة بـ 1.2% في يناير.

محفزات الارتفاع: جاء هذا التسارع مدفوعا بشكل رئيسي بزيادة أسعار الطعام والمشروبات غير الكحولية بنسبة 4.6% على أساس سنوي و2.8% على أساس شهري، فضلا عن قفزة في أسعار المشروبات الكحولية والتبغ بنسبة 15.7% على أساس سنوي و3.2% على أساس شهري.

الأرقام تتجاوز التوقعات: "فاقت بيانات التضخم لشهر فبراير تقديراتنا البالغة 12% على أساس سنوي و1.5% على أساس شهري، وتجاوزت أيضا القيمة الوسطى لتوقعات المحليين المشاركين في استطلاع رويترز والبالغة 12% على أساس سنوي"، وفق ما صرحت به هبة منير، محللة الاقتصاد الكلي بشركة "إتش سي"، لإنتربرايز. وأشارت إسراء أحمد، محللة الاقتصاد الكلي بشركة ثاندر لتداول الأوراق المالية، إلى أن الضغوط كانت متوقعة، لكن حجم الزيادة كان مفاجئا، موضحة أن القفزة في المصروفات الدراسية ساهمت أيضا في دفع التضخم العام إلى الارتفاع.

التضخم الأساسي ارتفع أيضا: صعد معدل التضخم السنوي الأساسي — الذي يستبعد السلع المتقلبة مثل الغذاء والوقود — إلى 12.7% في فبراير، من 11.2% في الشهر السابق. وعلى أساس شهري، تضاعف التضخم الأساسي تقريبا ليسجل 3%، صعودا من 1.6% في يناير.

وكل ذلك سبق اشتعال شرارة الحرب الإقليمية في 28 فبراير، والتي أدت منذ ذلك الحين إلى تراجع قيمة الجنيه بنحو 8.4% أمام الدولار وسط موجة تخارج عنيفة للأموال الساخنة وتزايد ملحوظ في الطلب على العملة الأجنبية لتمويل الواردات.

إلى أين تتجه بوصلة التضخم في الأشهر المقبلة؟ "في ضوء تصاعد التوترات الجيوسياسية وتداعياتها الملحوظة، لا سيما على تكاليف الطاقة والاستيراد، نرى أن كفة الضغوط التضخمية تميل نحو الصعود على المدى القصير"، وفق ما قاله أحمد حافظ من بلتون، والذي أضاف: "نتوقع أن يتسارع التضخم على أساس شهري ليصل إلى نحو 3% في مارس مدفوعا بزيادة أسعار المنتجات البترولية. ومع إشارة المؤشرات الأولية لاستمرار تسارع أسعار المواد الغذائية، قد يرتد التضخم السنوي إلى أعلى مستوى له في 9 أشهر ليسجل 14.9%".

ضغوط إضافية في الأفق: أقرت الحكومة هذا الأسبوع زيادة جديدة في أسعار الوقود قبل موعدها المخطط له استجابة للتقلبات الحادة في أسعار النفط العالمية نتيجة التصعيد الإقليمي. ومن المرجح أن تدفع هذه الزيادة قراءات التضخم لشهري مارس وأبريل إلى الارتفاع مع انتقال تأثيرها إلى شرايين الاقتصاد. ومع ذلك، تتوقع نعمت شكري من إتش سي، أن يساهم التأثير الإيجابي لسنة الأساس في إبقاء المعدل السنوي "ضمن نطاق معقول".

وبالحديث عن زيادة أسعار الوقود، من المتوقع أن تحقق هذه الخطوة وفروات تبلغ 40 مليار جنيه بنهاية يونيو المقبل، وما يتراوح بين 80 إلى 100 مليار جنيه على أساس سنوي، وفق ما قاله مصدر حكومي لإنتربرايز، لافتا إلى أن عدم إقرار هذه الزيادة كان سيرفع مخصصات دعم الوقود لتتجاوز 110 مليارات جنيه، وهو ما يفوق بكثير المخصصات المدرجة بالموازنة والبالغة 75 مليار جنيه.

وبالحديث عن ملف الدعم: كشف مصدر حكومي بقطاع الكهرباء لإنتربرايز أن الحكومة تفاضل بين سيناريوهين استجابة لارتفاع الأسعار؛ إما إقرار زيادة تتراوح بين 10% و15% للشرائح الأعلى استهلاكا، أو الإبقاء على أسعار الكهرباء الحالية دون تغيير حتى نهاية العام المالي الجاري.

ماذا في جعبة "المركزي" لاجتماعه المقبل؟ يرجح الخبراء الذين تحدثنا إليهم أن تتبنى لجنة السياسة النقدية "نهج الانتظار والترقب" في اجتماعها المقرر في أبريل. وقال الخبير الاقتصادي المقيم في لندن، علي متولي: "من المتوقع أن يبقي المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير (...) لمراقبة تأثير رفع أسعار الوقود على التضخم، خاصة إذا ما تراجعت أسعار النفط بسرعة واستمرت الحرب لبضعة أيام فقط". وتتفق إسراء أحمد من "ثاندر" مع هذا الرأي، مشيرة إلى أن "وقف دورة التيسير النقدي في حد ذاته يعد فعليا بمثابة تشديد نقدي"، مؤكدة أن الهامش المريح لأسعار الفائدة الحقيقية يمنح "المركزي" مرونة كافية في الوقت الراهن.

مخاطر التشديد النقدي قائمة: حذر متولي من أن الرفع المتعجل لأسعار الفائدة سيكون "مكلفا على النمو الاقتصادي"، لكنه نوه في الوقت ذاته إلى أنه في حال تحولت هذه الصدمة المؤقتة إلى موجة تضخمية أطول وأوسع وتزامن ذلك مع استمرار الضغوط على سعر الصرف، فإن "التشديد قد يصبح أكثر احتمالية". وحتى يحين ذلك، سيعتمد "المركزي" على الأرجح على أدوات بديلة، مثل إدارة السيولة في السوق وإدارة التوقعات، لضبط الأوضاع وتخفيف الصدمات، وفق متولي.