💡 من يقرأ مرة للأديب البرتغالي الحائز على نوبل جوزيه ساراماجو، سيقع في حبه بلا شك. بالنسبة لنا، كانت رواية الكهف التي صدرت لأول مرة بالبرتغالية عام 2000 هي بوابتنا إلى عالمه السحري، الذي يجمع الفلسفة بالتأمل بفن الحكي المتقن، بما يترك القاريء مذهولا بعد أن نجح ببراعة في نقله إلى عالم متكامل بشخوصه وحكاياته وأزماته التي تمثل الإنسانية تماما.
في رواية الكهف، يستعرض ساراماجو قصة صانع وتاجر خزف في الستينات من عمره يدعى سيبريانو ألجور، يعيش بصحبة ابنته مارتا وزوجها مرسيال في قرية صغيرة هادئة. تعصف رياح التغيير بحياة الأسرة الصغيرة عندما يتأسس "المركز"، وهو كيان أشبه بالمجمع التجاري الضخم. يرفض المركز استقبال منتجات سيبريانو، ويواجه الأب وابنته تحديات الحياة الرأسمالية التي تسحق كل أصحاب الحرف اليدوية البسيطة تحت وطأة تروس الإنتاج الضخم والكثيف.
ينتقد ساراماجو في هذه الرواية ببراعة مآل الإنسان المعاصر، والذي يعتبره ضحية آثمة، وقعت في فخ الرأسمالية والاستهلاك المفرط الذي حوله إلى كائن عاشق لكل ما هو مُصنع، فقد مع الوقت قيمته كفرد، وانصهر في آلة التسليع لكل شيء ممكن. وفي إحدى مفارقات الرواية، يندهش البطل من إقبال الأفراد في مدينته على المركز لتجربة محاكاة الأمطار داخل إحدى قاعاته، بينما تعج الطبيعة خارجه بمظاهر الفصول الأربعة على مدار العام، بالمجان، وأمام الجميع بلا تفرقة.
كما يبدو من العنوان، يستلهم ساراماجو قصته من كهف أفلاطون، فالمركز في هذه الرواية هو الكهف الذي يسجن بداخله الأفراد، محاصرين بسيل من المنتجات التي يروج لها على مدار الساعة ومسحورين بالواقع الموازي الافتراضي الذي يحاكي حياة لم تفنى بعد. ويكمن الفارق الجوهري بين كهف ساراماجو وكهف أفلاطون، هو أن سجناء الأول قد دخلوه بمحض إرادتهم، أو ربما ألفوه تماما حتى اعتادوا عليه فلم يعد لهم سجنا.
هذه واحدة من أجمل الأعمال الأدبية على الإطلاق، وتمثل خير بداية إلى عالم الأديب العبقري، الذي ما زال يقدم — حتى بعد وفاته بـ 16 عاما — دروسا في كيفية كتابة قصص تقتبس من روح البشرية وتعبر عنها وعن همومها ومعضلاتها ومآسيها، بخفة وذكاء وحروف آسرة.
أين تقرأونه: يمكن شراء النسخة المترجمة إلى العربية عبر مكتبات نيل وفرات.