البنك المركزي المصري يتبع النهج الصحيح بترك الجنيه يتلقى الضربة. فمع تجاوز التدفقات الأجنبية الخارجة من سوق الدين المحلي 885 مليون دولار أمس، رفض البنك المركزي استنزاف الاحتياطيات للدفاع عن العملة، وسمح بدلا من ذلك بتراجع الجنيه ليتخطى حاجز الـ 50 أمام الدولار. ومن شأن هذا القرار أن يجعل عملية الخروج من السوق أكثر كلفة للمستثمرين الأجانب، وفي الوقت ذاته يجعل الأصول المصرية أكثر جاذبية للمستثمرين الراغبين في دخول السوق.
هذا النهج يمثل ما يفترض أن تكون عليه سياسة إدارة سعر الصرف النموذجية — أي استخدام العملة كأداة لامتصاص الصدمات الخارجية مثل الصراع الذي تشهده منطقة الخليج حاليا. وتجاوز إجمالي التدفقات الخارجة منذ أواخر فبراير 4 مليارات دولار — فيما جاءت تدفقات الأمس البالغة 885 مليون دولار بأكثر من ضعف الـ 294 مليون جنيه التي خرجت من السوق يوم الاثنين.
وبلغت أحجام التداول 700 مليون دولار في سوق الإنتربانك، ولكن على الرغم من هذه الضغوط، صمد النظام المصرفي وتمت تلبية الطلبات كافة.
لماذا يعد هذا مهما؟ ما يقوم به البنك المركزي المصري "يعد إدارة شديدة الاحترافية" لسعر الصرف، وفق ما قاله رئيس قطاع البحوث في شركة الأهلي فاروس هاني جنينة في تصريحات لإنتربرايز.
وبينما تساعد استراتيجية "امتصاص الصدمات" في حماية ميزانية البنك المركزي، إلا أنها تضع ضغوطا على الخزانة العامة للدولة. ففي كل مرة يتراجع فيها الجنيه، ترتفع التكلفة التي يتعين على الدولة تحملها لدعم واردات الطاقة. وخصصت الحكومة حاليا ملياري دولار إضافية لواردات الطاقة للمساعدة في تجاوز هذه الفترة.
ولمواجهة الارتفاع المفاجئ في فاتورة الطاقة، تتطلع الحكومة إلى التحول لنموذج الدفع الآجل. إذ دخلت في محادثات مع شركائها من شركات الطاقة الدولية لزيادة شحنات الغاز الطبيعي، مع جداول سداد مرنة وطويلة الأجل، بما يضمن استمرار التيار الكهربائي دون استنزاف فوري لاحتياطيات البلاد من النقد الأجنبي، وفقا لما ذكرته مصادر لإنتربرايز.
وللمساعدة في سد الفجوة التمويلية، دخلت الحكومة في محادثات أولية مع مؤسسات تمويل دولية لتأمين تمويلات ميسرة، وفقا للمصادر. وتجري حاليا مناقشات مع صندوق النقد الدولي بشأن آلية طوارئ محتملة للدول الأعضاء المتأثرة بالصراع الإقليمي. وتشمل المحادثات أيضا البنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي وعدد من المؤسسات الأخرى لتأمين الاحتياجات التمويلية الطارئة والتخفيف من تأثير الزيادات المتوقعة في الأسعار على الموازنة العامة للدولة في حال استمر الصراع لمدة طويلة.
السؤال الأبرز خلال الأسابيع الخمسة المقبلة هو ما إذا كان البنك المركزي سيرفع أسعار الفائدة للدفاع عن الجنيه. "من الأفضل أن يراقب البنك المركزي التطورات خلال الأسابيع الخمسة المقبلة ويترك سعر الصرف يتحرك بمرونة"، وفق ما صرح به عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي وليد جاب الله لإنتربرايز. وأوضح أن النزوح الحالي يمثل "هروبا نحو الملاذات الآمنة" (الذهب وسندات الخزانة الأمريكية)، وليس انعكاسا للعائد على الجنيه.
"أي تحرك لرفع سعر الفائدة للحفاظ على جاذبية الجنيه ودعمه … سيُحدث ارتباكا في الأسواق"، وفق ما قاله جاب الله، مضيفا أنه "من الأولى تثبيت سعر الفائدة لفترة لحين امتصاص أثر الزيادات المتوقعة بحيث تكون الحكومة حائط صد ضد انتقال التضخم المستورد للداخل".