مررنا بهذا الموقف سابقا.. وتعلمنا الدرس: إن كان هناك ما يمكن استخلاصه من تحركات صناع السياسات في مصر أمس، فهو أمر واحد جلي: لقد تعلمنا أخيرا كيف ندير الأزمات. فقبل سنوات قليلة، كان لحدث مثل اندلاع الحرب في الخليج أن يدفع لصدور تعليمات شفهية هادئة عبر الهاتف للمصرفيين لإبطاء وتيرة طوابير التخارج واستنزاف الاحتياطيات الدولارية في محاولة يائسة ومذعورة لدعم الجنيه.
ولكن بالأمس، بعث البنك المركزي ووزارة المالية رسالة بسيطة (وإن كانت غير مكتوبة) للسوق مفادها: لقد مررنا بهذا الموقف سابقا، وندرك جيدا ما يفلح وما لا يفلح، وسنتخذ الخطوة الصحيحة. إنها المرة الثانية خلال أقل من عام التي يتمكن فيها البنك المركزي ووزارة المالية والجهاز المصرفي من إدارة موجة عزوف عالمية عن المخاطرة بكل ثقة واقتدار، وإنتربرايز تؤيد هذا التوجه تماما.
تراجع الجنيه بنسبة 1.7% أمام الدولار أمس، مع فتح البنوك أبوابها لتنفيذ طلبات التخارج التي دفعت العملة المحلية إلى الانخفاض إلى نحو 49 جنيها للدولار. وواصلت التدفقات الخارجة وتيرتها مع عدم إظهار أي من الولايات المتحدة أو إسرائيل أو إيران أي بوادر على تهدئة قريبة.
تخارج المستثمرون الأجانب من أدوات الدين المحلية بنحو 1.3 مليار دولار أمس، مما أدى إلى ارتفاع أحجام تداولات سوق الإنتربنك إلى 600 مليون دولار بنهاية تعاملات الأمس، ارتفاعا من 320 مليون دولار الخميس الماضي و180 مليون دولار قبل أسبوع، وفق ما قاله مصدر مصرفي لإنتربرايز. ورغم التوقعات باستمرار التدفقات الخارجة على المدى القريب، فإن نشاط التداول قد يبدأ في الاستقرار بنهاية الأسبوع، وفقا للمصدر.
وجرى تنفيذ طلبات التخارج بشكل منظم وتعاملت البنوك معها كسيناريو "عمل معتاد" — وهو تكرار إلى حد كبير للطريقة التي تعامل بها السوق مع موجة الخروج في الفترة التي سبقت (وأعقبت) موجة البيع التي أطلق عليها ترامب "يوم التحرير" في العام الماضي.
تحدثنا أمس مع نخبة من كبار المصرفيين والمسؤولين الحكوميين، وكانت رسالتهم واضحة: هذه العاصفة ستمر. "التدفقات الخارجة الحالية متوقعة في ظل التوترات السياسية"، حسبما صرح مصرفي بارز لإنتربرايز، مضيفا أن "الأموال الساخنة حساسة للاضطرابات السياسية، لكنها تعود بسرعة مع ظهور بوادر الاستقرار". كما أكد المسؤولون الذين تحدثنا إليهم أن قوة صافي احتياطي النقد الأجنبي — وشددوا على أنه يُسمح لسعر الصرف بالتحرك لامتصاص الصدمة. ومما لا شك فيه أن توقع دخول نحو 2.3 مليار دولار من صندوق النقد الدولي إلى خزائن الدولة هذا الأسبوع سيلعب دورا داعما.
وفي غضون ذلك، بعثت وزارة المالية برسالة إلى السوق مفادها: العمل يسير كالمعتاد بالنسبة لبرنامج الاقتراض بالعملة المحلية فيما تقوم الوزارة بتقييم شهية السوق. "لن نقبل بعوائد مبالغ فيها. من المتوقع وجود علاوة مخاطر، لكننا قد نخفض حجم العطاءات المقبولة حتى تهدأ الأوضاع"، وفق ما صرح به مصدر حكومي معني بإصدار أدوات الدين العام لإنتربرايز، مشيرا إلى أن الحكومة ليست في وضع تضطر فيه لقبول أي سعر.
لا تزال خطط الطروحات الدولية في موعدها المحدد في أبريل، إذ أشار المصدر إلى أنه "من السابق لأوانه اتخاذ قرار" بشأن أي تأجيل في ظل استقرار المؤشرات الاقتصادية الأساسية.
نظرة مقربة على أسعار النفط
لا يزال المحللون يرون أن هناك خطرا بأن تقفز أسعار النفط إلى ما فوق 100 دولار للبرميل مع سعي إيران لخنق تدفقات الخام من الخليج. وزعمت وكالة تسنيم الإيرانية للأنباء أن مضيق هرمز أصبح مغلقا "فعليا"، وأبلغت بعض السفن عن تلقيها رسالة لاسلكية يوم السبت — يُعتقد أنها من البحرية الإيرانية — تأمرها بمغادرة الممر المائي، نظرا لحظر المرور.
استقر خام برنت عند مستوى 75 دولار صباح اليوم حتى بعد تعرض ثلاث سفن لضربات في المنطقة أمس — وهي أولى الهجمات البحرية المُبلغ عنها منذ اشتعال الصراع. واقتصرت الهجمات حتى الآن على الخليج العربي، إذ لم يستأنف الحوثيون بعد هجماتهم على السفن المارة في مضيق باب المندب المؤدي إلى قناة السويس.
ويبدو أن ناقلات النفط قد توقفت عن الإبحار عبر مضيق هرمز، مع تكدس ما يقرب من 240 سفينة بالقرب من نقطة الاختناق — معظمها حول ميناء بندر عباس الإيراني، وفق ستاندرد أند بورز جلوبال. وكانت نحو 130 من تلك السفن تحمل بضائع، لكن لم تكن أي منها محملة بالخام.
يمكن استخراجه من الأرض، ولكن هل تستطيع إيصاله إلى السوق؟ رغم أن تعهد تحالف أوبك بلس بزيادة الإنتاج بما يصل إلى 206 آلاف برميل يوميا بدءا من الشهر المقبل قد يشكل انفراجة مؤقتة، إلا أن هناك عقبة كبيرة: غالبية إنتاج المجموعة يأتي من دول تعتمد بشكل شبه كامل على مضيق هرمز للتصدير إلى السوق العالمية. "في سيناريو كهذا، لا يتمثل القيد في القدرة على الإنتاج، بل في طرق التصدير ومسارات الشحن"، حسبما صرح خورخي ليون من شركة ريستاد إنرجي لإنتربرايز.
الحفاظ على تدفق الغاز: لضمان مواكبة الإمدادات للطلب المحلي، تتجه وزارة البترول لزيادة شحنات الغاز الطبيعي المسال المتعاقد عليها بمقدار 20 شحنة إضافية بقيمة تتراوح بين 1 إلى 1.5 مليار دولار، بدءا من 15 شحنة هذا الشهر، بعد أن أوقفت إسرائيل إمدادات الغاز إلى مصر والبالغة نحو 1.1 مليار قدم مكعبة يوميا، وفق ما صرح به مسؤول حكومي لإنتربرايز.
تدرس الحكومة جميع السيناريوهات المحتملة بشأن مضيق هرمز، وفقما قاله الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال حفل الإفطار السنوي الذي نظمته القوات المسلحة. وتطرق الرئيس أيضا إلى تأثير الإغلاق على قناة السويس قائلا: "لقد تأثرنا منذ [بداية الحرب الإسرائيلية على غزة] 7 أكتوبر، ولم تعد حركة الملاحة لمسارها الطبيعي بقناة السويس، وتكبدنا خسائر مادية".
"تكلفة التأمين على السفن والحاويات والاطقم البحرية، بخلاف رفض بعض شركات التأمين العالمية التأمين ضد مخاطر الحرب سيشكل ضغطا على التجارة العالمية الفترة المقبلة"، وفق ما قاله عبد القادر جاب الله، رئيس غرفة الملاحة بالسويس ورئيس الشركة القابضة للنقل البحري سابقا لإنتربرايز. وأضاف: "علاوة على ذلك، تحركات سعر الصرف وارتفاع سعر النفط كلها عوامل ستدفع بموجة تضخم كبيرة".
أقساط التأمين تتجه نحو الارتفاع: السفينة التي تحمل بضائع بقيمة 100 مليون دولار، والتي كانت تدفع في السابق نحو 250 ألف دولار للرحلة، سيتعين عليها الآن دفع 375 ألف دولار، وفق ما ذكرته فايننشال تايمز.
وفي الوقت ذاته، تتجنب معظم شركات الشحن الكبرى بالفعل المرور عبر قناة السويس — في الأسابيع التي سبقت الصراع، كانت الغالبية تكتفي بإجراء رحلات تجريبية فقط، حسبما صرح رئيس غرفة ملاحة بورسعيد عادل اللمعي لإنتربرايز.
هدف إيران في الوقت الحالي هو إحداث "غموض كافٍ لخلق صدمة اختناق فعلية"، حسبما صرح الخبير الاستراتيجي في سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية، فولفجانج ليماخر لإنتربرايز. وأضاف أنه سواء كنت تتحدث عن المخاطر الجيوسياسية أو ثقة المستثمرين، فإن هذا يطمس الخط الفاصل بين التوتر الاعتيادي والأزمة، مما يفرض علاوة مخاطر مستمرة في عقود الطاقة، وأسهم شركات الشحن، ومشاريع الموانئ المرتبطة بصادرات الخليج.
افتتاح مضطرب للبورصة وسوق العقود الآجلة
أغلق مؤشر EGX30 أمس متراجعا بنسبة 2.5% ليستقر دون مستوى 48.0 ألف نقطة بقليل، وفقا للنشرة اليومية للبورصة المصرية (بي دي إف)، ليفقد رأس المال السوقي نحو 73 مليار جنيه من قيمته. ودفع المتداولون المؤشر الرئيسي للهبوط بنسبة 5.6% عند جرس الافتتاح قبل أن يعاودوا الشراء مجددا.
وسجل المستثمرون الأجانب صافي بيع في كل القطاعات تقريبا، باستثناء الأسهم الدفاعية التي تشمل الرعاية الصحية، والتعليم، والأغذية والمشروبات، والمرافق، والصناعة. وكانت أسهم البنوك والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات الأكثر تضررا في موجة البيع.
الارتداد السريع بعد موجة البيع الأولية يعكس أن السوق يتوقع صراعا قصير الأمد، حسبما صرح رئيس قطاع البحوث في سي آي كابيتال منصف مرسي لإنتربرايز. وأشار إلى أنه في حين كان الانخفاض الأولي حادا، فإن حقيقة إقبال المستثمرين على شراء الأسهم قرب نهاية الجلسة تشير إلى أنهم يعتقدون أن موجة البيع ستكون "قصيرة الأجل للغاية".
أثبت توقيت إطلاق المشتقات المالية أنه بالغ الأهمية في منع حدوث انهيار شامل، مع فتح 52 عقدا عبر العقود الآجلة للمؤشر لشهري يونيو وسبتمبر. "أعتقد أن انخفاض الافتتاح اليوم بنسبة 5.6% كان استجابة ذعر حادة لحدث استثنائي"، حسبما صرحت العضو المنتدب لشركة عكاظ لإدارة الأصول راندا حامد لإنتربرايز. وأشارت إلى أن إطلاق العقود الآجلة للمؤشرات ساعد السوق على التعافي من صدمة الافتتاح تلك ليغلق اليوم على ارتفاع ملحوظ. وقالت حامد: "لأول مرة، امتلك المستثمرون أداة للتحوط من انكشافهم على الأسهم بدلا من مجرد بيعها. هذا الفارق يهم بشكل هائل"، مضيفة أن سلوك السوق عند مستوى 47.7 ألف نقطة يشير إلى أن بعض المستثمرين استخدموا هذه الأدوات الجديدة لتجاوز العاصفة.
كان السوق قد وجد موطئ قدم له قبل أن تضربه الصدمة الجيوسياسية. "تراجع المؤشر من أعلى مستوى له على الإطلاق عند 52.8 ألف نقطة إلى 48.6 ألف نقطة بحلول يوم الخميس — وهو تحرك مدفوع إلى حد كبير بجني الأرباح بعد صعود قوي"، حسبما أوضحت حامد. هذا البيع المسبق يعني أن السوق لم يكن يتراجع من الذروة، مما سمح لمستوى 47.9 ألف نقطة بالعمل كأرضية دعم صلبة.
بالنسبة لمديري الأصول، تخلق التقلبات الحالية نقطة دخول واضحة للأشخاص الذين كانوا ينتظرون أي تراجع — أي تراجع مهما كان — للشراء. "أرى جلسات الذعر هذه كفرص جيدة لتحديد وبناء مراكز في شركات ذات أساسيات قوية"، وفق ما قالته حامد، مشيرة إلى أن العملاء الجدد — المسلحين بالسيولة الناتجة عن استحقاق شهادات الإيداع البنكية — كانوا ينتظرون نافذة كهذه للدخول.
ماذا بعد؟ النظرة المستقبلية أكثر حذرا للقطاعات ذات الانكشاف المباشر على الصراع. "تواجه منتجعات البحر الأحمر في مصر وشركات الطيران تهديدا مباشرا للطلب مع إغلاق المجالات الجوية الإقليمية وتزايد العزوف عن مخاطر السفر"، حسبما حذرت حامد. وتواجه الصناعات المعتمدة على الاستيراد صدمة حادة في سلاسل الإمداد مع ارتفاع تكاليف الشحن، في حين أن "مشاريع البناء العقاري المعرضة لتمويلات خليجية قد تواجه بعض عدم اليقين من حيث التمويل" مع استمرار ضبابية المشهد الإقليمي.