🌙 خلال العقدين الأخيرين، تشكل عالم مواز وسباق ينطلق كل رمضان في الفواصل بين المسلسلات والبرامج. أثبت موسم إعلانات رمضان قوته وتأثيره في حجم أعمال الشركات، وأصبح وجود العلامات الكبرى في هذه المساحة الإعلانية خلال الشهر مسألة حتمية تعكس اعتبارات القوة والحجم والتأثير على الوعي الجماعي. وسرعان ما تحولت الحملات الإعلانية من أداة تسويقية إلى مهمة روتينية ينبغي أن تنفذ سنويا، ما أوقع الكثير من الأسماء في مأساة التكرار.
أسرة وعيلة وصحاب.. وحب كتير
مع انطلاق أول إعلان خلال الموسم الحالي، يدرك المتفرج أنه على وشك مشاهدة الشيء ذاته مرارا وتكرارا. شركات الاتصالات والعقارات التي تنفق الملايين على إعلانات متخمة بنجوم الصف الأول، لتقديم أغنية بألحان وكلمات متكررة، وإيصال رسائل قتلها الملل والتكرار.
لا جديد من شركات الاتصالات: في إعلان أورانج يجتمع عمرو دياب بأبنائه الأربع نور وكنزي وجانا وعبد الله، للتأكيد على أن "القعدة دي نقصاك ومش هتكمل غير معاك"، بينما تظهر عبلة كامل بشكل مفاجيء في إعلان فودافون، لتحرك مشاعر جيل كامل يحبها ويفتقدها، وإن تشابهت فكرة الإعلان تماما مع إعلان " أول مرة " لفودافون أيضا قبل 9 سنوات. فيما يأتي تامر حسني والفنان الفلسطيني سانت ليفانت بإعلان إتصالات إي أند يحمل رسالة مشابهة ألا وهي أن "الفرحة مش هتكمل غير بيك" مع ظهور مفاجيء لنجمة الاستعراض نيللي أيضا. ومن جديد تأتي إليسا بإعلان لشركة المصرية للاتصالات وي وهي تردد بصوتها على خلفية الإعلان الحافل بالممثلين أن "الأيام الحلوة حلوة بالناس اللي معاك".
.. أو البنوك: لم يقدم بنكا مصر والأهلي جديد يذكر، فالأول عاد إلى مطربه المفضل محمود العسيلي المقترن اسمه به لسنوات، والذي يغني بصحبة بهاء سلطان أغنية جديدة تحمل المعاني ذاتها تقريبا، فيما وظف الثاني تامر حسني في أغنية لا تحلق بعيدا عن فكرة السند والأهل المعادة.
المعضلة السيزيفية: المشكلة الحقيقية تكمن في مثل تلك الإعلانات في أنها سرعان ما تفقد معناها وما يميزها، فتصبح جميعا نسخة من واحد، يضيع المشاهد عندما يحاول أن يربطها بالعلامة التي نفذتها. وبينما نؤمن أن التغني بالصداقة والعلاقات الأسرية قد يكون منطقيا في إطار رسائل شركات عقارية مثل الأهلي صبور مثلا، كونها تروج في النهاية لبيوت يسكن الناس إليها حرفا ومجازا، إلا أن هذه الرسائل تفقد معناها عندما تتكرر بلا هدف.
الأبسط أفضل
مع استياء البعض من التكرار، تألقت الحملات الإعلانية لثلاث شركات: ريماس لاند وعبور لاند ووادي دجلة، والسبب واضح للغاية: هذه شركات فهمت أن البساطة أفضل ما يمكنك تقديمه.
اعتمدت وادي دجلة على عصام عمر، الشاب الذي يشبه جيله ويعكس الفئة المستهدفة، لتقدم لنا واحدا من أفضل إعلانات الموسم الحالي. كلمات الأغنية بسيطة ومعبرة عن أزمة جيل كامل يعبر من عشريناته إلى مراحل الحياة الأكثر جدية، واللحن الطفولي الشهير يعلق بالذهن، والرسالة قمة في الوضوح: سنكون نحن خيارك عندما تكبر وترغب في شراء بيت جديد.
بينما اعتمدت الحملة الإعلانية لريماس لاند وعبور لاند — وهما من إخراج عمر أريبة — على الدراما المبالغ فيها و"الأفورة" للسخرية، وقد نجحتا في ذلك ببراعة. استهدف إعلان ريماس الأول الترويج لأصحاب السلاسل التجارية، إذ غنى هيثم شاكر حزنا على إنتهاء مخزون الجبنة من السوبرماركت بعد أن انتظر طويلا، قبل التأكيد على فكرة "متحطش السوبرماركت في الموقف ده"، بينما استهدف الإعلان الثاني المستهلكين، إذ صدمت جنات في زوجها الذي نسي شراء جبنتها المفضلة، قبل أن تقرر ترك المنزل في تصعيد درامي كوميدي مبرر تماما في عالمها. فيما اقتبس أمير كرارة شخصية مبالغ فيها تدافع عن أن " أكل العيش مش مر " طالما وجدت عبور لاند.
كما تقدم حملة وزارة الصحة للتوعية بالأكل الصحي درسا في الترويج لرسالة محددة بذكاء، إذ قدمت بمزيج من خفة الظل والواقعية إعلانات لفتت انتباه المشاهدين، ولاقت رواجا بينهم رغم تناولها موضوع صعب يتعلق بالأمراض وثقافة الطعام في مصر عامة وخلال شهر رمضان.
هذه إعلانات قد لا تقدم الأفكار الأكثر ابتكار في العالم، ولكنها ركزت على الغرض الأساسي منها، وهي الترويج للمنتج أو الخدمة مع وجود رسالة واضحة يستطيع المستهلك أن يفهمها ويرتبط بها. مفهوم أن الحملات الإعلانية قد تختلف في الغرض منها ما بين هذه التي تستهدف الترويج المباشر وتلك التي تحاول خلق حالة ذهنية ترتبط باسم علامتها التجارية على المدى الطويل، ولكن الكثير من الشيء ذاته قد يمثل استسهالا قد يسأم منه الجمهور، أليس كذلك؟
بينما يفقد الكثيرون شغفهم من تكرار النمط ذاته، يقع آخرون في حب المألوف والمعاد. وتتباين الدوافع سواء شعورهم بالحنين إلى الماضي، أو مجرد الشعور بالأمان والراحة من القدرة على التنبؤ بمآل الأحداث. هذا قد يفسر لم تتحول الأغنيات المملة بعد فترة إلى كلمات وألحان عالقة بالذهن، ولم تحصد برامج المقالب كل عام على مستويات عالية من الاهتمام الجماهيري، فحتى الآن حصد برنامج رامز ليفل الوحش على 86% من نسبة المشاهدة، حسبما يشير استطلاع رأي أجرته شركة إجابات لأبحاث السوق (بي دي إف).
** لقراءة القصة كاملة مصحوبة بكل الروابط، اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى **