👟 تواجه سوق الأحذية في مصر فجوة واضحة، تجعل من العثور على منتج أنيق وجيد مهمة صعبة. وترجع هذه الفجوة إلى طريقة العرض العشوائية في المتاجر المحلية، التي تجعل من التمييز بين المنتجات أمرا شاقا. وفي حين تقدم المولات واجهة عرض أكثر تنظيما وجاذبية، إلا أن تشكيلاتها تظل مخيبة للآمال لاعتمادها على علامات تجارية مستوردة منخفضة الجودة.

لفتت أنظارنا علامات تجارية محلية ناشئة تسعى لسد هذه الثغرة بتصاميم عصرية وحرفية عالية، تقدم منتجاتها بأسعار تنافسية مقارنة بالمستورد منخفض الجودة. والتقت إنتربرايز باثنين من هؤلاء المصممين لمعرفة دوافع دخولهم هذا القطاع الصعب، والذي تهيمن عليه حاليا منتجات العلامات التجارية الموجهة للسوق العام.

بدأ شغف مؤسسة العلامة التجارية سول 22 هنا غازي، الحاصلة على بكالوريوس الهندسة المعمارية من جامعة بيركلي، بعالم الأحذية خلال فترة عملها في نيويورك، حيث شاركت في تصميم واجهات متاجر تيفاني أند كو. “التحقت بدورة تدريبية متخصصة في صناعة الأحذية، شملت كافة المراحل بدءا من الرسوم الأولية وصولا إلى التصنيع، وانغمست في هذا المجال لدرجة أنني كنت أقضي عطلات نهاية الأسبوع متنقلة بين متاجر الأقمشة والخامات لتعلم كل ما يمكنني معرفته عن هذه الصناعة، وبعد نحو عام، عدت إلى مصر وأطلقت مشروعي الخاص”، حسبما قالت لإنتربرايز.

كذلك تنحدر مؤسسة توين فلايم هلا الشريف من قطاع التصميم، فبعد تخرجها في كلية بارسونز الأمريكية، تنقلت بين باريس ونيويورك، وهما المدينتان اللتان تدين لهما بالفضل في تشكيل رؤيتها الفنية، وصقل ذوقها في التصميم: “أثناء وجودي في نيويورك، درست مادة اختيارية عن صناعة الأحذية وأحببتها للغاية، وبحلول سنتي الدراسية الأخيرة في باريس، كنت أعرف أن مجال الأحذية سيصبح محور تركيزي”.

نهج عصري لصناعة تقليدية

تغطي صناعة الأحذية المحلية حاليا ما بين 60% إلى 70% من احتياجات السوق المصرية. ويتوزع الإنتاج على نحو 170 إلى 200 منشأة تصنيع. وتشكل المشروعات الصغيرة والمتوسطة معظم هذه المنشآت التي تدار أغلبها كمنشآت فردية مستقلة، بعيدا عن نموذج المجموعات المؤسسية ذات العلامات التجارية الكبرى. وإلى جانب المصانع ومنشآت الإنتاج الضخم، يواصل العديد من الحرفيين إنتاج الأحذية الجلدية يدويا لتلبية احتياجات فئات نوعية من العملاء، والمساهمة في الحفاظ على تقنيات المهنة التراثية.

يفرض واقع السوق تحديات كبيرة أمام العلامات التجارية المستقلة، التي تركز على التصميم في سعيها لإثبات وجودها: “لم أدرك حجم عوائق دخول هذا القطاع إلا بعد أشهر من التقصي وزيارات المصانع، إذ لا تهتم المصانع الكبرى سوى بالإنتاج الضخم، لذلك إن أردت الإنتاج على نطاق صغير، فعليك بالورش الصغيرة، وهو ما يتطلب إشرافا مباشرا ومشاركة فعلية في كل مرحلة من مراحل الإنتاج”، بحسب غازي.

ورغم انتشار مصنعي الأحذية في مصر، يبقى الابتكار محدودا للغاية: “الجميع يعتمد على القوالب والأشكال والتقنيات المتوارثة عبر الأجيال ذاتها، ومحاولات التجديد والابتكار تستقبل بالمقاومة”، وفقا للشريف. كما تمثل أزمة توفر الخامات عائق إضافي، فالجلود والقوالب في مصر ممتازة، لكن هناك صعوبة في العثور على نعال عالية الجودة، كما أن طريقة تثبيت النعل بالجزء العلوي تفتقر للجودة لاعتمادها على الغراء بدلا من الخياطة، حسبما قالت غازي.

تعتمد علامتا توين فلايم وسول 22 حاليا على جهات خارجية للتصنيع، وتأمل الشريف في امتلاك منشأة إنتاج صغيرة خاصة بها قريبا، إذ ترى أنه من الصعب حماية تصميماتها والتحكم في الجودة وجداول التسليم الزمنية طالما أنها تعتمد كليا على التصنيع لدى الغير.

البراند والسوشيال ميديا

يعد بناء حضور رقمي قوي ركيزة أساسية في نموذج أعمال علامات الأحذية الناشئة، إذ تستثمر غازي والشريف بكثافة في الحضور عبر منصات التواصل الاجتماعي، لترسيخ هوية العلامتين التجاريتين وتقديمهما كمنتجات عصرية تعتمد على ذكاء التصميم، ما لعب دورا محوريا في جذب العملاء المستهدفين. “منصات التواصل الاجتماعي هي واجهة متجرنا والمنصة التي نسرد من خلالها قصة علامتنا التجارية، إذ تركز استراتيجيتنا على بناء عالم خاص بالعلامة أكثر من مجرد البيع”، بحسب الشريف.

يقدم حساب سول 22 على إنستجرام مزيجا من الصور والفيديوهات بلمسات فنية نقية، غالبا ما تظهر فيها المؤسسة بنفسها. وبالتزامن مع شهر رمضان، أطلقت العلامة سلسلة People of Craft المكونة من 15 حلقة قصيرة، لتسليط الضوء على الحرفيين ومبدعي المهنة في القاهرة.

التصميم والخامات جوهر التجربة

ولت غازي والشريف عناية كبيرة لبناء العلامة التجارية والتغليف، إذ دفع شغف الشريف بجمع علب الكبريت إلى تسمية علامتها التجارية توين فلايم، كما صممت صندوق أحذيتها ليفتح بطريقة علبة الكبريت ذاتها. فيما تهتم غازي كثيرا بالتغليف النهائي للمنتج: “عندما أتلقى أي طرد أحب أن أشعر بلمسة خاصة، لذلك حرصت أن تقدم سول 22 تجربة مميزة، أردت لكل التفاصيل بدءا من لون الصندوق ووصولا إلى قطعة الجلد الصغيرة التي تحمل شعارنا على حقيبة القماش أن تمنح شعورا بالرقي”.

فرص النمو المستقبلية

تتباين التقديرات حول حجم سوق صناعة الأحذية في مصر، لكن حتى الأرقام المتحفظة تشير إلى مبيعات سنوية تتراوح بين مئات الملايين ومليارات الدولارات، في جميع الفئات. ويفتح هذا الحجم الضخم للسوق المجال أمام القطاعات المتخصصة لحجز مكانها إلى جانب الشركات الكبرى، إذ نجحت علامات مستقلة مثل سول 22 وتوين فلايم، في فرض حضورها داخل السوق سريعا، عبر البيع المباشر للمستهلك وبناء حضور على منصات التواصل، دون الحاجة للاستثمار الضخم في شبكات التوزيع المادية.

وعن رؤيتهما المستقبلية، تأمل غازي في افتتاح متجر فعلي لعلامة سول 22 قريبا، بينما تتطلع الشريف للتوسع بتوين فلايم على الصعيد الإقليمي. وتتفق المؤسستان على أن السوق تمتلك إمكانات هائلة، إذ تشير المؤشرات الأولية إلى أن الفجوة السوقية التي تستهدف المؤسستان سدها تضم الكثير من الفرص.