✍️ لم تعد موجات التسريح الواسعة في المؤسسات الصحفية مجرد أخبار عابرة، بل باتت واقعا يطارد الكتاب والصحفيين في كل مكان. حتى المؤسسات العريقة لم يسلم موظفوها مثل واشنطن بوست التي استغنت مؤخرا عن ثلث العاملين فيها تقريبا، ما فجر موجة عارمة من الغضب العام. ومع انتشار المحتوى الرديء المولد بالذكاء الاصطناعي وتزايد اعتماد المؤسسات عليه، لا يبدو المستقبل سعيدا بالنسبة للكتاب، إذ من المتوقع تراجع معدلات الزيارات للمواقع الصحفية بنسبة تتجاوز 40% خلال السنوات الثلاث القادمة، وفقا لتقرير حديث صادر عن معهد رويترز وجامعة أكسفورد، فكيف يبدو مستقبل الصحافة؟
تحديات وتحولات
تعيد المؤسسات الصحفية والكيانات الإعلامية الكبرى حاليا ضبط استراتيجياتها، إذ تركز على تحسين خوارزميات الرد الذكي وتحسين الإجابة المباشرة في تحول بعيد عن استراتيجيات تحسين محركات البحث التقليدي. ورغم هذا التحول، لا تزال التوقعات محبطة، إذ يرى أغلب المسؤولين أن عائد الاستثمار سيكون ضئيلا، بينما لا يتوقع 20% منهم أي نتيجة تذكر.
ولم تعد المنافسة مقتصرة على المحتوى الرديء المولد بالذكاء الاصطناعي، إنما شملت صناع المحتوى، إذ أعربت 70% من المؤسسات الصحفية عن قلقها من سيطرة صناع المحتوى الرقمي على المشهد الصحفي. ويشير التقرير إلى أن الجمهور الأصغر سنا بات يفضل المحتوى الشخصي الذي يعتمد على الفيديو في المقام الأول، والذي يعتبره أكثر عفوية ومصداقية.
معنى ذلك؟ يتجه الجمهور إلى صناع المحتوى المستقلين لافتقادهم للمحتوى الإنساني الصادق، وفي الوقت ذاته تخسر المؤسسات الصحفية مواهبها ومواردها المالية، إذ يخشى 40% من المسؤولين خسارة أفضل صحفييهم، بعد أن دفع الإغراء المادي في عالم صناعة المحتوى عدد من أبرز المواهب إلى ترك الصحافة التقليدية، وفي المقابل يثير ازدياد صناع المحتوى المستقلين التساؤلات حول مدى مصداقية المعلومات التي يشاركونها.
كيف تواجه المؤسسات الصحفية هذا التحول؟
في محاولة لمنافسة صناع المحتوى المستقلين، بدأت المؤسسات الصحفية في تدريب كوادرها داخل غرف الأخبار على تبني أسلوبهم، إذ وجهت تركيزها نحو إنتاج المحتوى المرئي عبر منصات مثل يوتيوب وتيك توك، وقللت استثماراتها في منصات أخرى مثل فيسبوك وإكس. كما جعلت مؤسسات إعلامية عريقة مثل نيويورك تايمز، وسي إن إن وبي بي سي من مقاطع الفيديو ركيزة أساسية على مواقعها الإلكترونية لجذب الجمهور مباشرة نحو إنتاجاتها المرئية الخاصة.
تبدو هذه الاستراتيجية سلاحا ذو حدين، إذ يخشى المسؤولون أن يؤدي تطوير مهارات صحفييهم إلى نتائج عكسية، فبدلا من نفع المؤسسة، قد تمهد لهم الطريق للاستقلال بأنفسهم والانضمام إلى عالم صناع المحتوى.
نهاية عصر الأخبار المستهلكة
أصبح الذكاء الاصطناعي خبيرا في إنتاج الأخبار المستهلكة، بفضل قدرته على إعادة تدوير المواد الروتينية — مثل صحافة الخدمات والتطورات السياسية والأدلة الإرشادية وغيرها — والحل يكمن في التركيز على الصحافة التي لا يمكن اختزالها بسهولة في ثلاث نقاط موجزة، حسبما ترى وتعتقد رئيسة القسم الرقمي في صحيفة وول ستريت، تانيث إيفانز. لذلك تتجه المؤسسات الصحفية للاستغناء عن معظم المحتوى الذي يمكن للذكاء الاصطناعي إعادة إنتاجه، إذ يتوقع التقرير تراجع إنتاج صحافة الخدمات بنسبة 42% والأخبار العامة بنسبة 38% والأدلة الإرشادية بنسبة 32%.
ويمكن ملء هذا الفراغ من خلال إنتاج محتوى إنساني أصيل، يشمل لتحقيقات الاستقصائية الميدانية والقصص التحليلية وتغطية الأحداث الحية. وتتركز جهود المؤسسات الصحفية حاليا على القصص الإنسانية التي تعطي الأولوية للارتباط العاطفي والسرد المبني على الشخصيات، ويبدو أن هذا النوع من المحتوى سيكون المعيار الجديد للمحتوى المميز.
عودة الكتاب إلى القمة من جديد
خلال العام الماضي، تضاعفت إعلانات الوظائف التي تبحث عن مهارة سرد القصص في الولايات المتحدة، بحسب وول ستريت. فبعد موجة من التهميش والبطالة طالت الكتاب مؤخرا، عادوا إلى دائرة الضوء، وسط طلب متزايد وحقيقي. كما تُستقطب مواهب الكتاب بعيدا عن أروقة الصحافة التقليدية أيضا، إذ تسعى المؤسسات الكبرى جاهدة لاستعادة المحتوى البشري، بعد أن أدى ضعف محتوى الذكاء الاصطناعي إلى تآكل الثقة، بحسب موقع بيزنس إنسايدر.
وتقدم هذه الوظائف الجديدة التي يقع معظمها ضمن أقسام التواصل رواتب مغرية، إذ تعرض نتفليكس على مدير اتصالات المنتجات راتب يصل إلى 775 ألف دولار، بينما قد يحصل رئيس قسم سرد القصص في شركة التكنولوجيا فانتا على 274 ألف دولار. وتعرض شركة أوبن إيه أي على مسؤولي الاتصالات التنفيذيين رواتب تصل إلى 400 ألف دولار، والمثير للاهتمام أن الصحفيين يشكلون نسبة كبيرة من المتقدمين لهذه الوظائف. وبينما تشهد الصحافة تحولات متسارعة وتتصدر موجات التسريح عناوين الأخبار، تبقى الحقيقة الثابتة أنه لطالما توجد قصص تروى، سيظل الكتاب حاضرون.
** لقراءة القصة كاملة مصحوبة بكل الروابط، اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى **