تخطط شركة “تنمية كابيتال فنتشرز” لاستثمار نحو 100 مليون دولار خلال العامين أو الثلاثة الأعوام المقبلة، حسبما قال الشريك المؤسس والعضو المنتدب محمد محجوب (لينكد إن) لإنتربرايز. في أعقاب الإغلاق الناجح لصندوقها الثاني بقيمة 130 مليون دولار في ديسمبر 2024، نفذت شركة الاستثمار المباشر صفقتين بالفعل، وتبحث حاليا عن اقتناص أربعة صفقات أخرى في فئة الشركات المتوسطة.

معايير “تنمية كابيتال” قبل الاستثمار

تطبق الشركة “أربعة ضوابط” للاستثمار في الشركات المتوسطة، وهي: التمركز داخل القطاع، والميزة التنافسية، وجودة الإدارة وتوافق الرؤى، ووضوح مسارات التخارج. وقال محجوب: “أهم ما نبحث عنه دائما مع المؤسسين قبل الاستثمار هو التوافق”. وتشمل المجالات الحالية التي تركز عليها الشركة الأغذية والمشروبات، والسلع الاستهلاكية سريعة الدوران، والتصنيع، والتعليم، بالإضافة إلى صفقات مختارة في قطاع الأدوية.

النمو وليس الإنقاذ: “نحن لا ننفذ عمليات إعادة هيكلة للشركات المتعثرة”، بحسب محجوب. تلتزم الشركة بتفويضها القائم على الاستحواذ على حصص أقلية في شركات تمتلك بالفعل البنية التحتية والحوكمة اللازمة للتوسع.

قصة استثمار #1: أوضح محجوب أن استثمار الشركة في “كوباد فارما” جاء مدفوعا بالتمركز الهيكلي للشركة وليس لميزة قصيرة الأجل. وأشار إلى أن أكثر من “70% من محفظة منتجاتها تتمتع بمرونة في التسعير”، إذ تندرج حصة كبيرة من المنتجات تحت إطار الهيئة القومية لسلامة الغذاء بدلا من نظام تسعير الأدوية الأكثر صرامة التابع لهيئة الدواء المصرية. وأوضح أن تلك المرونة التسعيرية تعد أمرا حاسما في هذه السوق التي شهدت تخفيضات متعددة في قيمة العملة صاحبتها ضغوط على تكاليف المدخلات.

وكان الضابط الرئيسي الآخر هو عدم الارتباط بدورات المشتريات الحكومية. وقال محجوب: “أحد المعايير الأساسية التي نبحث عنها هو ضآلة الارتباط بالمناقصات العامة أو انعدامه من الأساس”، مشيرا إلى أن تأخر المدفوعات الحكومية قد يضغط على مصنعي الأدوية. كما برزت “كوباد” بصفتها واحدة من أكبر وأكثر شركات الأدوية العائلية تنظيما في فئتها، مع محفظة متنوعة قادرة على أن تحل محل اللاعبين الصغار من الشركات متعددة الجنسيات التي خرجت من السوق. وترى “تنمية” أن هذا الاستثمار جمع بين الحجم، والقدرة على الصمود السعري، وقوة العلامة التجارية، والملاءة المؤسسية، وهي جميعها مكونات أساسية في استراتيجية نمو حصص الأقلية.

قصة استثمار #2: على صعيد الاستثمار في “حلواني العبد”، شرح محجوب كيف تطبق “تنمية” ضوابط الحجم وقوة العلامة التجارية والملاءة المؤسسية. فقد كانت الشركة تمتلك “نحو 12 فرعا عندما بدأنا الاستثمار، والآن لديها نحو 60 فرعا وتتجه نحو امتلاك 70 فرعا”. وبعيدا عن الانتشار الجغرافي، تنشط هذه العلامة التجارية في السوق منذ عام 1974 وتنافس في “أكثر من تسع فئات من المنتجات”، مما يمنحها تنوعا وقيمة علامة تجارية قوية على مستوى البلاد.

وعلى الصعيد التشغيلي، سلط محجوب الضوء على البنية التحتية ياعتبارها عامل تميز؛ إذ تمتلك الشركة سلسلة توريد قوية، وفريقا هندسياً قادراً على افتتاح “فرع في غضون ثمانية أسابيع”، فضلا عن أنها تبني ما وصفه بأكبر مصنع في فئته بمساحة تقارب 45 ألف متر مربع. وتعتقد “تنمية” أن هذه هي السمات التي تبحث عنها بالضبط: الحجم، والتنظيم المؤسسي، والإدارة القوية، والقدرة على النمو بطريقة مهيكلة وجاهزة للتخارج.

ما الذي يبحث عنه الشركاء المحدودون في الشركات العائلية المحلية؟

حدد محجوب عملية تحول من خطوتين يعتقد أنها تجذب المستثمرين المؤسسيين الأجانب إلى الشركات المصرية. إذ يرى أن هناك عنصرين هما الأكثر أهمية للمستثمرين الأجانب والإقليميين:

#1- البنية التحتية والحوكمة: ويتحقق هذا عبر إرساء آلية منظمة لاتخاذ القرار، وخطوط إبلاغ واضحة، وتحديد المسؤوليات بين الإدارة ومجلس الإدارة والمساهمين، والعمليات المؤسسية التي تحل محل أسلوب الإدارة العائلي غير الرسمي. وقال إن “التحول الأول والأكبر” هو مساعدة المؤسسين على فهم متطلبات وجود شريك مؤسسي في هيكل الملكية، بدءا من إرساء قواعد الحوكمة وصولا إلى تكريس الشفافية.

#2- نمو موثوق ومصاغ بوضوح: أوضح محجوب أن المؤسسات الدولية تبحث عن الحجم، ووضوح الاستراتيجية، والقدرة على توجيه رأس المال نحو القطاعات الأسرع نموا بشكل مدروس بعيدا عن الاندفاع العاطفي.

مسارات التخارج

وعلى مستوى التخارج، ذكر محجوب أن المسارات المتاحة شهدت تحسنا بشكل ملحوظ خلال العام الماضي. لطالما كانت الاستحواذات الاستراتيجية وصفقات البيع الثانوية إلى صناديق الاستثمار الإقليمية الكبرى هي المسارات الأكثر وضوحا، لكنه يرى أن “الطروحات العامة استعادت جاذبيتها مرة أخرى”، مشيرا إلى عودة المشاركة الأجنبية في البورصة المصرية وقوة نشاط التداول التالي للطروحات. وأكد أن عودة المستثمرين المؤسسيين الدوليين يحمل أهمية كبرى.

“عودة المستثمرين المؤسسيين الدوليين كانت هي البوابة”، بحسب محجوب. وأشار إلى أنهم عادة يكونون أكبر المشترين والأكثر نشاطا في السوق الثانوية، ويحتفظون في الغالب بمراكزهم الاستثمارية لمدة تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات. ولما كانت مصر “واحدة من أرخص الأسواق عالميا” جنبا إلى جنب مع استمرار زخم الإصلاح، عادت الطروحات الأولية لتكون مسار تخارج قابلا للتطبيق، بالإضافة إلى البيع لمستثمرين استراتيجيين من السعودية والإمارات، أو إلى صناديق إقليمية وأخرى تركز على أفريقيا تزيد من مخصصاتها لمصر.

ومع ذلك، لا تزال ثمة حاجة إلى ضبط التوقيت. قال محجوب: “لا تتجه للتخارج عندما تحقق 100% من المستهدف… كما لا تتجه إليه عندما تحقق 40% فقط من القيمة المضافة”. وبدلا من ذلك، تبحث “تنمية” عن “نقطة التوازن المثالية” — وهي تحقيق نحو 60-65% من القيمة المستهدفة — مما يترك فرصة نمو جيدة للمستثمر التالي.

المسار المختار يعتمد أيضا على طموحات المؤسسين: إذ يفضل بعضهم الطروحات الأولية للاحتفاظ بالاستقلالية التشغيلية، في حين قد يختار آخرون يسعون للتوسع الإقليمي شريكا استراتيجيا. قال محجوب: “الأمر يعتمد على القصة الخاصة بكل شركة”، مؤكدا أن التوافق مع الإدارة هو ما يحدد مسار التخارج في نهاية المطاف.

الاستثمار المؤسسي المحلي.. الطرف الغائب عن المعادلة

مع أن المؤسسات التمويلية الدولية تبقى هي الركيزة الأساسية للاستثمار المباشر في مصر، يرى محجوب أن المنظومة لن تنضج إلا بدخول صناديق المعاشات وشركات التأمين المحلية. ويقول: “استثمارات المؤسسات الدولية يجب أن تكون عاملا محفزا فقط […] ولا يمكن أن تظل هي صاحبة النسبة الأكبر”. فمن أجل أن يتطور قطاع الاستثمار المباشر تطورا حقيقيا، يجب أن يسير رأس المال المؤسسي المحلي على خطى المستثمرين الدوليين.