تظهر بعض قطاعات السوق العقارية مؤشرات على تخمة المعروض، لكن شركة “بنيان” تراهن في المقابل على أن الفرص الحقيقية تكمن في سوق المكاتب الفاخرة. من المقرر أن تسلم الشركة مبنى (A5) بمشروع “جولدن جيت” في القاهرة الجديدة لشركة “نستله مصر”، بموجب عقد إيجار مدته ست سنوات يبدأ الشهر المقبل، وفق بيان صحفي صادر عن الشركة. وسيخصص العملاق السويسري المساحة البالغة 6900 متر مربع لتكون مقرا لـ “وحدة خدمات الأعمال المشتركة”، الذراع الخدمية للمجموعة العالمية.
رهان مدروس: جرى الاتفاق بين الطرفين على سعر إيجار شهري قدره 30.4 دولار للمتر المربع، مع زيادة سنوية بنسبة 5%. ومن المتوقع أن يحقق المبنى — الذي استحوذت عليه بنيان في عام 2024 بقيمة 718 مليون جنيه — إيرادات إجمالية تصل إلى 834 مليون جنيه طوال فترة التعاقد. وبذلك يكون هذا العقد وحده كفيلا بتغطية كامل قيمة استحواذ بنيان على المبنى بحلول 2031، وفق ما قاله العضو المنتدب للشؤون المالية بشركة بنيان فادي رأفت لإنتربرايز.
ما السر وراء اختيار مصر؟ جعل تراجع قيمة الجنيه من مصر مركزا منخفض التكلفة لعمليات وحدات ومراكز الخدمات المشتركة العالمية التي تغطي أسواق أوروبا وآسيا وأفريقيا، مدعومة بموقع مصر الجغرافي ووفرة الكوادر المؤهلة.
وما السر وراء اختيار بنيان؟ أوضح رأفت أن نستله فضلت التعاقد مع “بنيان” لرغبتها في التعامل مع كيانات مؤسسية بدلا من التعامل مع الأفراد، إلى جانب العلاقة القوية التي تربط الطرفين في أصول أخرى تابعة لـ “بنيان”.
تعتمد “بنيان” نموذجا مدروسا يحقق التوازن في توزيع العملات في محفظتها، إذ تمثل العقود الدولارية 54% من إجمالي العقود — دون وضع حد أدنى أو أقصى لسعر الصرف — مما يسمح بنمو الإيرادات مباشرة مع تحركات العملة. وفي المقابل، تمثل عقود الجنيه النسبة المتبقية البالغة 46%، بغية الاستفادة من نسب الزيادة السنوية الأعلى في عقود الجنيه. وأوضح رأفت أن هذا التوازن يهدف للتحوط من أي خفض مستقبلي لقيمة العملة.
ما أهمية ذلك؟ تواجه مصر عجزا متوقعا بنحو 4.5 مليون متر مربع في مساحات المكاتب الفاخرة بحلول عام 2028. ويرى رأفت أن معظم المعروض حاليا مجزأ إلى وحدات صغيرة، في حين تطلب الشركات متعددة الجنسيات مساحات متصلة تتراوح بين 7 إلى 12 ألف متر مربع تحت سقف واحد. كذلك تفضل هذه الشركات نظام الإيجار بدلا من التملك للحفاظ على سياسة “خفة الأصول”، مؤكدا أن تراجع أسعار الفائدة لن يدفع الشركات فجأة نحو تملك العقارات.
ماذا عن الحديث حول “فقاعة عقارية”؟ يرسم رأفت خطا فاصلا واضحا في هذا الأمر؛ فمع أن القطاع السكني قد يواجه تخمة في المعروض وضعفا في القدرة الشرائية، يظل القطاع الإداري والتجاري محصنا بطلب حقيقي وفجوة هيكلية في المعروض.
وترى “بنيان” أن عام 2026 هو نقطة التحول المرتقبة، مع توقعات بمزيد من خفض أسعار الفائدة لتقليل تكلفة التمويل وفتح الباب أمام مزيد من الاستحواذات عبر الاقتراض. كذلك تدرس الشركة الدخول في قطاع المخازن والخدمات اللوجستية — وهو قطاع آخر يعاني من فجوة بين العرض والطلب الفعلي — مع احتمالية إتمام أولى صفقاتها في هذا المجال خلال العام الجاري.
لم تعد الاستدامة محض ادعاء لدعم العلامة التجارية، بل صارت أحد مطالب الامتثال الأساسية؛ فقد تحول الحصول على شهادة (EDGE Advanced) من رفاهية اختيارية إلى شرط تعاقدي للمستأجرين العالميين الذين يلتزمون بمعايير الاستدامة الدولية. فإذا لم تكن المواصفات مطابقة للمعايير، فلن تجذب المستأجر.