تشير الأجواء المشهودة في مؤتمر”سي آي كابيتال” للاستثمار، الذي عُقد الأسبوع الماضي في القاهرة، إلى أن عام 2026 سيكون عام اقتناص العوائد الإضافية. فلم تعد شركات إدارة الأصول العالمية تبحثو عن مجرد الاستقرار، بل صارت تبحث عن “القيم الاستثمارية الأفضل مقابل السعر على مستوى العالم”، وفق ما صرح به مؤسس مكتب عائلي ألماني — يخصص 20% من صندوقه الموجه لأفريقيا، البالغ 10 ملايين دولار، إلى السوق المصرية — في حديثه إلى إنتربرايز.

جمع الحدث 65 من مديري الأصول العالميين من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وجنوب أفريقيا ودول مجلس التعاون الخليجي، بإجمالي أصول مدارة تصل إلى 5 تريليونات دولار، للاجتماع بمسؤولي 40 من كبرى الشركات المصرية المدرجة. وكان هناك إجماع عام على أن توفر العملة الأجنبية والإصلاحات النقدية الأخيرة حسنت التوقعات بشكل كبير، رغم استمرار المخاوف بشأن مستويات الدين السيادي واتساق السياسات.

أثر توفر السيولة الدولارية والإصلاحات النقدية

تجسد عودة توفر النقد الأجنبي التطور الأبرز، بحسب ما قال أحد الشركاء في شركة إدارة استثمارات بنيويورك تدير صناديق بقيمة 350 مليون دولار تركز على أفريقيا، وذلك خلال حديثه إلى إنتربرايز. وأوضح أن نظرتهم إلى السوق ليست إلا انعكاسا مباشرا لمواقف القيادات التنفيذية للشركات. وأضاف: “عندما يتحمسون ويستثمرون في الإنفاق الرأسمالي، أشعر بالحماس. وعندما يخشون تدبير العملة الصعبة، أشعر بالخوف”. كذلك أشار إلى أن التقييمات لا تزال جذابة لأن “العمليات الحسابية” تشير إلى أنه مع انخفاض عوائد السندات، ستحصل الأسهم على “تقييمات أعلى”.

واتفق رئيس قسم الأسهم الإقليمية لدى أحد بنوك الاستثمار مع هذا الرأي، ووصف الفرصة الاستثمارية في مصر بأنها “واحدة من الفرص الأكثر جاذبية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، إن لم تكن الأفضل، لا سيما مع خفوت الزخم حول السوق السعودية بسبب عجز الموازنة وتقليص الإنفاق. وقال إن “تقييمات الأسهم تستقر عند مستويات منخفضة مقارنة بالأرباح”، لأن السوق لم تتماشَ بعد بشكل كامل مع موجة التضخم التي أعقبت خفض قيمة العملة، والتي رفعت إيرادات الشركات وصافي أرباحها. وكشف أيضا أن التخصيص الموجه من صندوقه الإقليمي إلى مصر قفز إلى 25% بعد أن كان صفرا قبل عامين فقط، واعترف كذلك بأن نسبة 25% قد تبدو “جنونية” لمعظم المستثمرين الأجانب بالنظر إلى أن وزن مصر في المؤشرات الإقليمية، مثل مؤشر ستاندرد أند بورز، يقل عن 2%.

وذكر باحث من صندوق استثمار جنوب أفريقي أن اجتماعاتهم مع البنوك والمصنعين المحليين ركزت على تحسن السوق منذ عام 2024، إذ يخصص الصندوق حاليا 55% من محفظته البالغة 160 مليون دولار لمصر. وأقروا أيضا بأنهم “قلقون دائما بشأن العملة”، ووصفوها بأنها “الإشكالية الأكبر”، لكنهم أشاروا إلى أنها “مستقرة تماما في الوقت الحالي”. وقد حددوا قطاعي الأغذية والاتصالات بأنها قطاعات ذات نمو مستمر، مؤكدين أن “الغذاء دائما رهان جيد في مصر”، مع الإشارة إلى البنوك الرقمية باعتبارها فرصة هائلة.

معنويات المستثمرين وفرص التقييم

السوق المحلية تعد من الأسواق ذات الحساسية العالية تجاه المخاطر، لكن تقييماتها الحالية ذات جاذبية تجعل من الصعب تجاهلها، وفق ما قال مدير أسهم في بنك بحريني كبير يدير أصولا بقيمة 3.5 مليار دولار، خلال حديثه إلى إنتربرايز. واتفق كذلك مع الرأي القائل بضعف التمثيل الفني لمصر في المؤشرات العالمية. وأوضح أنه في ظل اقتصار وزن مصر على نحو 1.5% فقط من المؤشر الاسترشادي، فإن رفع نسبة الاستثمار إلى 2-3% يمثل في الواقع موقفا استثماريا جريئا يتجاوز أوزان المؤشر. وأشار إلى عودة البنك البحريني الذي يعمل فيه إلى السوق المصرية بعد غياب طويل تسببت فيه القيود التي كانت مفروضة على تحويلات رؤوس الأموال.

ووصف مؤسس مكتب العائلة الألماني السوق المحلية بأنها وجهة ذات قيمة عالية. وأشار، بصفته مؤسسا لـ 30 شركة، إلى أنه بالمعايير الأفريقية “أشعر بالأمان” في مصر، مستشهدا بـ “الخلفية المؤسسية” بصفتها عنصر قوة. وأضاف أنهم يبحثون عن الشركات التي تمتلك “مساحة لإعادة الاستثمار”، موضحا أن الشركات التي تكتفي بـ “توزيع كافة الأرباح في صورة كوبونات تعد أقل جاذبية”.

مستثمرون جدد وحذر في السوق

“كان التقدم الكبير المحرز على أرض الواقع متمثلا في التخلص من السعر الموازي وترك العملة تتحرك وفقا للعرض والطلب”، وفق ما قاله محلل أبحاث من شركة استثمار جنوب أفريقية لإنتربرايز، ووصف هذا بـ “النقطة الفاصلة”. ورغم عدم امتلاكهم مراكز استثمارية في مصر حاليا، فإنهم يبحثون بقوة عن فرص الآن.

ورغم إبداء شركته اهتماما بقطاعي البنوك والتكنولوجيا المالية، أشار أيضا إلى وجود قدر من الحذر. وأوضح: “لا نعرف ما إذا كانت الحكومة ستلتزم بتحرير سعر الصرف عندما تشتد الظروف… ولا نعرف ما إذا كان البنك المركزي سيعود للتدخل في العملة”. وبالنسبة لهم، يتمثل الاختبار المستقبلي في تحري ما إذا كانت السلطات “ستسمح للعملة بالتقلب” خلال الفترات الصعبة.

وأشار أحد الشركاء في شركة مقرها نيويورك إلى “إجمالي حجم الدين السيادي” بصفته مثارا للقلق، قائلا إن كون الدولة واحدة من أكبر المقترضين من صندوق النقد الدولي ليس بالمؤشر الإيجابي الذي يطمح المستثمرون إليه. وشدد على أن هيكلة الديون، وخفض الاعتماد على الاقتراض، وتحقيق فوائض مالية هي أمور ضرورية لإعطاء إشارة إيجابية بأن التغيرات الجارية تمضي في الاتجاه الصحيح. كذلك تلخصت مخاوفهم في نقطة واحدة: “عند حدوث صدمة عالمية أخرى.. فإن المديونية العالية تجعل أي كيان، سواء كان شركة أو دولة، في موقف شديد الهشاشة”.