🐰 قبل يومين فقط، أقيمت المباراة النهائية لبطولة كرة القدم الأمريكية. ومع أنها تمثل الحدث الرياضي السنوي الأبرز في الولايات المتحدة، إلا أن العروض الترفيهية التي تقام في استراحة بين الشوطين هي النجم الحقيقي للسهرة. تحولت هذه العروض في الآونة الأخيرة إلى منصة للمعارضة السياسية والمواقف الاجتماعية البارزة، والدليل؟ حفل باد باني، المطرب البورتوريكي، الذي يتخذ من موسيقاه وسيلة للتعبير عن آرائه ومواقفه السياسية (شاهد، 13:41 دقيقة).
الموسيقى كأداة للمقاومة
في وقت تتزايد فيه العنصرية والحملات الفيدرالية العشوائية ضد المهاجرين، برز بينيتو أنطونيو مارتينيز الشهير بباد باني ذو الواحد وثلاثون عاما بين الأصوات الموسيقية الشابة كرمز للمقاومة، واكتسب زخما أوسع في الآونة الأخيرة في ظل تجاوزاتقوات الهجرة والجمارك الأمريكية — المعروفة اختصارا بأيس — في حق المهاجرين، والتي أثارت سخط الملايين داخل الولايات المتحدة وخارجها.
هذا شاب مختلف بالفعل، لا يتحدث الإنجليزية، ويغني دائما بالإسبانية معتزا بأصوله وانتمائه إلى بورتوريكو، محاولا دعمها بشتى الطرق من خلال الترويج للسياحة فيها ودعم اقتصادها. في 2025، أعلن بينيتو عن جولة غنائية متكاملة في موطنه حصرا، رافعا شعار ” لا أرغبفيالرحيل من هنا “. يوظف بينيتو أغانيه كوسيلة للتعبير عن قضايا الهوية والانتماء والاغتراب بشكل يمس المجتمع اللاتيني في العالم بأسره. بالنسبة له، ليس من المهم إطلاقا أن يفهم الجميع لغته كي يشعروا بألحانه وموسيقاه.
منذ الإعلان عن اختياره لإحياء الحدث الترفيهي الأهم في سبتمبر الماضي، أثار بينيتو غضبا واسعا بين أوساط اليمين المحافظ، وتحديدا مؤيدي ترامب الجمهوريين المخلصين، الذين اعتبروا أن غناء فنان معارض بغير الإنجليزية هو إهانة لبلادهم، فيما وصفه آخرون بأنه كاره كبير لترامب وكاره لأمريكا، وقد استمر غضبهم حتى مع انتهاء العرض.
حفل ملغم بالرمزيات: من حقل القصب الذي يرمز إلى إرث بلاده الزراعي وفلاحيه، والثنائي اللذان يقال أنهما قد عقدا زفافهما بحق في الحفل، وصولا إلى الرقصات والنجوم البارزين ذوي الأصول اللاتينية أيضا الذين ظهروا في المشهد مثل بيدرو باسكال وكاردي بي وجيسيكا ألبا، حول بينيتو استراحة ما بين الشوطين إلى رسالة حب إلى تراثه وبلده الأم.
كما ضم العرض مشهدا لمجموعة من أعمدة الكهرباء، تبعها تقديمه لأغنية ElApagón، والتي تعني حرفيا “انقطاع الكهرباء”، في انتقاد لإهمال الحكومة الأمريكية الجزيرة التابعة لها والتي تشهد تآكلا في البنية يعرضها إلى خطر الكوارث الطبيعية بشكل أكبر. ذلك قبل أن ينهي العرض بتحية إلى كل دول أمريكا الجنوبية والوسطى والشمالية، ملوحا بعلم بلاده الثوري القديم، مؤكدا أن ما يمنح الولايات المتحدة هويتها يستمد من هويتهم جميعا.
صعود الحديث عن باد باني أعاد إلى الأذهان مراحل وظف فيها العرب أفعال المقاومة عبر الموسيقى، بداية من ألحان سيد درويش وأغانيه التي كانت رمزا للثورة الشعبية وأناشيد يتغنى بها مقاومو الاحتلال البريطاني، وصوت فيروز الذي قاوم وأرخ لفترة الحرب الأهلية اللبنانية، وحتى أغنيات جبهة التحرير الوطني والجماعات المناهضة للاحتلال الفرنسي في الجزائر، وموسيقى الراي التي نشأت في بدايتها لمقاومة الاستعمار وامتدت في المغرب العربي، ليعيد التاريخ نفسه مرارا وتكرارا.
ردود الأفعال
رد فعل سريع من الرئيس الأمريكي: ترامب — الذي يتحدث عن بورتو ريكو باعتبارها دولة خارجية وليست جزءا من الولاياتالمتحدة — كتب عريضة طويلة معبرا فيها عن استيائه عبر منصة تروث سوشيال. وصف الرئيس الأمريكي العرض بأنه الأسوأ على الإطلاق، ويمثل إهانة كبيرة للولايات المتحدة وصفعة على وجه البلاد.
يختلف الكثيرون حول العالم مع هذا الرأي، فبينما بلغت مشاهدات المباراة نفسها 124.9 مليون متفرج، شاهد نحو 128.2 مليون متابع العرض الغنائي ليصبح بذلك رابع أكثر عرض مشاهدة في تاريخ الحدث. فيما بلغت مشاهدات السوشيال ميديا نحو 4 مليارات مشاهدة في خلال يوم واحد فقط، وبزيادة 137% عن عرض الرابر كيندريك لامار العام الماضي.
فترة حافلة بباد باني: منحت الموسيقى الجريئة التي يقدمها الفنان البورتوريكي — وتحديدا في ألبومه الأخير DebíTirarMásFotos الذي يأخذ من حنينه إلى وطنه الأم منطلقا لأغنياته — ثلاث جوائزجرامي، قبل أيام قليلة من الحفل، ليصبح أول مطرب يحصدها عن ألبوم إسباني بالكامل. وهناك، استغل باد باني خطاب تلقيه الجائزة للتأكيد على أن المهاجرين ليسوا همج أو حيوانات أو كائنات فضائية، بل هم بشر وأمريكيون.
انفتاح باد باني على مفهوم أن تكون أمريكيا منتميا إلى الأمريكتين وليس الولايات المتحدة حصرا، يمثل موقفا سياسيا أوسع، يمتد ليشمل كل دول جنوب العالم التي تعاني من تبعات الإمبريالية وإرثها الذي حل بالخراب على الدول الأكثر فقرا، وشتت سكانها حول العالم. لذا ليس من الغريب أن يتردد صدى موسيقاه بين مختلف المغتربين والمهاجرين وحتى الجيل الأصغر المعارض لسياسات ترامب، وحتى اللاجئين من فلسطين وغيرها في الولايات المتحدة وخارجها، حسبما يرى جوريل ميلينديز باديلو، أستاذ تاريخ أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي في جامعة ويسكونسن ماديسون.
في وقت تزداد فيه حكومات الدول العظمى تطرفا وسلطوية، يضيق الخناق على الأقليات والفئات الأكثر هشاشة. هنا تأتي الموسيقى، واعدة بأن تكون نافذة تمنح أصحابها ومحبيها مساحة أوسع للتعبير عن هويتهم وما ينتمون إليه حقا. قد نختلف مع أغنيات باد باني، قد يحبها البعض ويكرهها آخرون، ولكنها تحمل في جوهرها شيئا أكبر منها. قد لا تبدل هذه الموسيقى الواقع، وقد لا تحدث تغييرا راديكاليا في سياسات الدول، ولكنها تبقى منبرا وصوتا لمن يخشى ضياع صوته وإرثه ووطنه في هذا العالم.
**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**