🚘 عندما يبدأ الرؤساء التنفيذيون المصريون في استبدال سياراتهم الرينج روفر بأخرى صينية فاخرة، فنحن أمام تحول جوهري في خارطة سوق السيارات. لعقود طويلة، ظل الهيكل الطبقي للسيارات ثابتا، وارتبط النجاح المهني حصرا باقتناء السيارات الأوروبية الفاخرة. وبعيدا عن الجوانب التقنية مثل المتانة وقيمة إعادة البيع، تظل السيارة بالنسبة لأصحاب المناصب العليا أكثر من مجرد وسيلة للتنقل، بل رمزا للمكانة الاجتماعية. كل ذلك جعل فكرة اقتناء سيارة من علامة صينية حتى وقت قريب خيارا غير مطروحا.
بينما تستمد السيارات الأوروبية قيمتها من إرثها التاريخي وعراقتها، ترتكز السيارات الصينية على التفوق التكنولوجي المطلق، إذ فرض الصينيون سيطرة كاملة على سوق سيارات الطاقة الجديدة والتي تشمل: السيارات الكهربائية والهجينة القابلة للشحن والكهربائية ممتدة المدى.
هذه الهيمنة برزت في معرض أوتومورو إيجيبت 2026 الذي أقيم الأسبوع الماضي بمركز القاهرة الدولي للمؤتمرات. بلغ إجمالي العلامات الصينية المشاركة في المعرض 20 علامة من إجمالي 25 علامة أخرى، وركزت الطرازات المعروضة على سيارات الطاقة الجديدة عالية التقنية، بأحجام وفئات سعرية متعددة، تبدأ من نحو 750 ألف جنيه لطرازات مثل أرك فوكس تي 1، وتصل إلى 4 ملايين جنيه للفئات الأعلى من السيارات الرياضية متعددة الاستخدامات مثل لي أوتو إل 9.
شهد عام 2025 تحولا تدريجيا في قناعات المستهلكين، مع بدء الوكلاء المعتمدين في تقديم طرازات فاخرة مدعومة بخدمات ما بعد البيع، والتي كانت مقتصرة سابقا على الأسواق الموازية. وأدرك مقتنو السيارات الفارهة القيمة التي تقدمها السيارات الصينية، إذ تمنحهم الأداء والفخامة المنشودة بتكلفة أقل من نظيراتها الأوروبية. فبينما يستقر سعر سيارة الدفع الرباعي الصينية الفاخرة بين 3 إلى 4 ملايين، تتجاوز أسعار رينج روفر و مرسيدس حاجز الـ 10 ملايين جنيه لنفس الفئة.
هذا التحول الجذري في سوق السيارات يتركز بشكل أساسي في قطاع الطاقة الجديدة، حسبما يشير عضو مجلس إدارة شركة جي بي أوتو منصور قباني قائلا: “نجحت السيارات الكهربائية ممتدة المدى والسيارات الهجينة في معالجة مشكلات مدى البطارية، خاصة في سوق مثل سوقنا التي لا تزال البنية التحتية لمحطات الشحن فيها في مراحلها الأولى”. وإذا أضفنا إلى ذلك أن تلك السيارات لا تحتاج سوى الحد الأدنى من الصيانة، فضلا عن انخفاض رسوم ترخيصها التي تتراوح بين 1000 إلى 2000 جنيه فقط، وتوفيرها في استهلاك الوقود، سنجد أننا أمام معادلة رابحة بكل المقاييس، حسبما قال.
نجح جيل جديد من السيارات الصينية العاملة بالطاقة الجديدة في اقتحام عالم السيارات الفاخرة والمتميزة، بقيادة أسماء مثل “لينك أند كو” و”روكس” و”بي واي دي” و”أي إم”، إلى جانب إكسيد و”لي أوتو” وديبال، وهو العالم الذي كان حكرا على العلامات التجارية ذات الشعارات الأوروبية.
“لقد كانت سوق السيارات في مصر منقسمة بين عشر علامات تجارية كبرى فقط، أما الآن، فنحن نشهد طفرة في عدد السيارات الجديدة، التي تشكل السيارات الصينية غالبيتها. وبعض هذه العلامات استحوذ على حصة من سوق السيارات الفاخرة، وهو ما يعكس بوضوح حجم التحول الذي نشهده”، حسبما قالت نينا عز العرب، نائبة رئيس مجلس الإدارة للثقافة والاتصال وعضوة مجلس إدارة مجموعة عز العرب.
النهج الصيني القائم على التفوق التكنولوجي تمكن من كسب ثقة أكثر الفئات تمسكا بالتقاليد: “لدينا رواد أعمال مخضرمون وتنفيذيون رفيعو المستوى يقبلون على شراء هذه السيارات، غالبا كسيارة ثانية، ولكنها سرعان ما تتحول إلى السيارة الأساسية للعائلة”، وفقا لما قاله الرئيس التنفيذي لشركة المنصور للسيارات أنكوش أرورا، مضيفا أن الوصمة المرتبطة بامتلاك أو قيادة سيارة صينية بدأت تتلاشى.
والسبب؟ ارتفاع وعي المستهلك واطلاعه المستمر على الاتجاهات العالمية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بحسب أرورا. “المستهلك يقول: أحصل على قيمة أفضل مقابل ما أدفعه، إذ أن التصميم فاخر والمواصفات التقنية متطورة، فلماذا لا أخوض التجربة؟”.
تتفق عز العرب مع أن هذا التغيير أصبح واقعا ملموسا: “أعتقد أننا نعيش نقطة تحول، فقد تلاشت الوصمة الاجتماعية التي كانت تلاحق العلامات الصينية، وأصبح الأفراد يقودون السيارات الصينية بفخر، إذ أحبوا التكنولوجيا والتصميم، والتجربة المتكاملة التي تقدمها”.
المشهد الجديد
استحوذت السيارات الصينية على نحو 38% من إجمالي سوق سيارات الركوب المحلية في 2025، بزيادة قدرها 29% من العام السابق عليه. هذا التدفق الهائل للعلامات الصينية — المتمثل في أكثر من 13 علامة جديدة تم طرحها في عام 2025 فقط — قد فرض ضغوطا على الوكلاء المعتمدين ليكونوا أكثر انتقائية. وفي هذا السياق، تؤكد عز العرب أن مجموعتها تركز على العلامات التي تحمل مواصفات أوروبية، مثل لينك أند كو، التي أنتجت بالتعاون بين زيكر وجيلي وفولفو وعلامة سمارت (التي تمتلك مرسيدس بنز 50% من أسهمها).
كما يستثمر الوكلاء في تطوير تجربة العملاء بما يتناسب مع الفئات السعرية الفاخرة، إذ بدأت شركة المنصور للسيارات في افتتاح مراكز تجربة تكنولوجية لعلامة “بي واي دي” بدلا من صالات العرض التقليدية، بهدف تثقيف المستهلكين. وافتتحت بالفعل أولى هذه المراكز في الشيخ زايد الأسبوع الماضي، ومن المقرر افتتاح مركز آخر في القاهرة الجديدة خلال الأسابيع المقبلة. يأتي ذلك بهدف تقديم تجربة بيع مميزة وخدمات ما بعد البيع ترتقي إلى مستوى التجارب التي اعتاد عليها عملائها مع العلامات الأوروبية.
بدأت رحلة منصور مع العلامات الصينية عام 2017 عبر “إم جي” التي حققت نجاحا كبيرا، أما دخول عالم السيارات الفاخرة فكان مؤخرا بإطلاق سيارة أي إم في سبتمبر الماضي، ثم “بي واي دي” عبر إصدار تجريبي منذ أيام، حسبما قال أرورا. وتحقق منصور مبيعات تتراوح بين 50 إلى 60 وحدة شهريا من طرازات أي إم الكهربائية بالكامل.
هناك اهتمام كبير بطراز 900 من السيارات الهجينة القابلة للشحن، حسبما قالت عز العرب في إشارة إلى ارتفاع الطلب على علامة لينك أند كو، مضيفة أن الشحنة الأولى المقرر أن تصل في مارس قد بيعت بالكامل مسبقا، “وهو ما دفعنا لرفع حجم طلباتنا لثلاثة أضعاف الكمية الأصلية، وتصل قوائم الانتظار حاليا إلى شهرين أو ثلاثة أشهر”.
وقد ضمت شركة جي بي أوتو بنهاية العام الماضي علامتي “لي أوتو” وديبال إلى قائمة العلامات التجارية التي تمتلكها. وأوضح قباني أن المجموعة تستهدف مبيعات تقارب 2000 سيارة للعلامتين معا خلال العام الجديد.
نظرة مستقبلية
يتفق قادة القطاع الذين تحدثنا إليهم على أن النمو الحالي لا يمثل سوى البداية فقط، إذ يتوقعون أن تستحوذ العلامات الصينية على حصة تتراوح بين 40-50% من السوق خلال السنوات الخمس المقبلة، وتحديدا ضمن فئة سيارات الطاقة الجديدة.
ورغم ثقتها في استمرار ما يعرف بالموجة الصينية، تؤكد عز العرب أن العلامات الأوروبية لن تغادر المشهد. قائلة: “لا تزال العراقة عنصرا حاسما في السوق، فالأمر يشبه ساعة أبل، تقتنيها وتستمتع بمميزاتها، لكنك ستظل راغبا في امتلاك ساعة رولكس”.