يرتبط نجاح السياسات الوطنية ارتباطا وثيقا بكفاءة المؤسسات والقيادات المسؤولة عن تنفيذها. ومن هذا المنطلق، ينصب التركيز اليوم على النهوض بالأداء المؤسسي داخل الهيئات القضائية والجهات الحكومية ذات الأطر التنظيمية المتخصصة، بما يدعم جهود التنمية ويتماشى مع مستهدفات رؤية مصر 2030.

وفي هذا الإطار، يأتي برنامج “قيادة التغيير في المنظمات الديناميكية” الذي أطلقه مركز التعليم التنفيذي (ExecEd) بكلية أنسي ساويرس لإدارة الأعمال بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، ليكون استجابة عملية لهذا التحدي. وتعد هذه المبادرة الرائدة خطوة مكملة للنجاح الكبير الذي حققه برنامج القيادة للتميز الحكومي (LGE) ؛ حيث تتجسد من خلالها الشراكة الاستراتيجية بين مركز التعليم التنفيذي، وكلية الشؤون الدولية والسياسات العامة (GAPP)، والمعهد القومي للحوكمة والتنمية المستدامة (NIGSD)، وذلك بالتنسيق مع وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي. وقد صمم البرنامج خصيصا لتعزيز القدرات القيادية للعاملين في القطاع العام والكيانات القضائية، بما يتماشى مع أولويات الإصلاح الوطنية.

ويرتكز البرنامج على تقديم منظور مغاير للقيادة؛ فهي مهارة غايتها إحداث أثر إيجابي داخل المؤسسات وتعزيز كفاءة القطاعات. علاوة على ذلك، يهدف البرنامج إلى إعداد القادة للعمل بمرونة بين مختلف الإدارات، عبر تمكينهم من مواجهة التحديات الفعلية وصياغة حلول استراتيجية، بما يضمن تحقيق إنجازات مستدامة بقطاعات الدولة الحيوية.

وتأتي الهيئات القضائية في صدارة القطاعات التي يستهدفها البرنامج. وفي هذا السياق، يوضح سيادة القاضي هيثم محمد بهاء، رئيس محكمة بالمحكمة الاقتصادية ومدير مشروع الحوكمة القضائية بالمعهد القومي للحوكمة والتنمية المستدامة، أن البرنامج صمم لتدريب القضاة المشاركين على “التفكير خارج نطاق اختصاصاتهم المعتادة، وتبني مهارات إدارية تمكنهم من قيادة فرق العمل بفاعلية’. كما يشير سيادته إلى طبيعة نظام العمل داخل هذه المؤسسات، موضحا أن “النظام القضائي يتمتع بسلطة مستقلة، مما يجعل كفاءة القائمين على المنظومة هي الضمانة الأساسية للنهوض بجودة الأداء”.

وقد انعكس هذا التوجه في النتائج التي حققتها الدفعة الأخيرة من البرنامج، والتي ضمت نخبة من الكوادر القضائية المختارة وفق معايير تنافسية دقيقة. وبالنسبة للعديد من المشاركين، تعد هذه التجربة بمثابة تطوير جوهري للممارسات القيادية؛ حيث تشير سيادة المستشارة ياسمين الإسلامبولي، العضو البارز بوحدة العلاقات العامة بالنيابة الإدارية، إلى “أن البرنامج تجاوز الأطر النظرية ليقدم نموذجا عمليا لما يجب أن تكون عليه القيادة الفعالة”، مؤكدة أن البرنامج عزز قدرتها على إدارة التحديات بوضوح وثبات.

ولم يقتصر أثر البرنامج على الجوانب التطبيقية فحسب، بل امتد ليشمل آليات التعامل مع تحديات التطوير المؤسسي؛ حيث أكد سيادة المستشار ياسر عبد الشكور مصطفى، نائب رئيس محكمة النقض، أن “التغيير هو عملية مستمرة”، مشددا على أن الإصلاح يجب أن يُطبق “بشكل منظم ومدروس، بعيدا عن الانفعالات اللحظية، لضمان استدامته وتأثيره على المدى الطويل”. وفي سياق متصل، أجمع المشاركون على أن أحد أهم مكتسبات البرنامج هو ترسيخ ثقافة التعاون، وتحفيز الكوادر للمشاركة في التغيير طواعية، بدلا من الاعتماد على المركزية في اتخاذ القرارات.

إن هذا التحول في الفكر القيادي يعد ركيزة أساسية لدعم مسيرة الإصلاح الإداري في مصر؛ فبينما تمضي الدولة قدما نحو المستقبل، يصبح إعداد القادة ضرورة تتجاوز مفهوم التدريب التقليدي، لتكون المحرك الرئيسي لتعزيز قدرة المؤسسات على التطور، وتحويل الطموحات الوطنية إلى إنجازاتٍ ملموسة.

لمعرفة المزيد حول جهود مركز التعليم التنفيذي (ExecEd) في تعزيز القدرات القيادية بمختلف مؤسسات القطاع العام المصري، اضغط هنا.