يدخل البنك المركزي اجتماع لجنة السياسة النقدية يوم الخميس بأريحية كبيرة. فبعد أن قوبلت عديد من الاجتماعات السابقة بالحذر بسبب مخاوف التضخم المستمرة، أصبح الإجماع بين 11 محللا وخبيرا اقتصاديا استطلعت إنتربرايز آراءهم واضحا: الدولة مستعدة لمواصلة دورة التيسير النقدي، إن لم يكن تسريعها.
توقعات بخفض يتراوح بين 100 و200 نقطة أساس. من بين المحللين الذين استطلعت إنتربرايز آراءهم، يرجح تسعة خفضا فوريا لسعر الإيداع لليلة واحدة. وتتراوح التوقعات بين خفض حذر بمقدار 100 نقطة أساس وخفض كبير بمقدار 200 نقطة أساس، مما يعني خفض سعر الإيداع من مستواه الحالي البالغ 21.00%.
ويرى عديد من هؤلاء الخبراء والمحللين أن البنك المركزي تجاوز بنجاح مرحلة إدارة الأزمة. ويؤكد محمد عبد العال، عضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي، أن “المركزي المصري اليوم في موقف قوة”، مشيرا إلى أن الاتفاق مع صندوق النقد وتوفر السيولة الدولارية “ينهي عصر الدفاع عن العملة بالفائدة المرتفعة”. ويتوقع عبد العال خفضا بمقدار 150 نقطة أساس، لتتناغم السياسة النقدية المصرية مع دورة تيسير عالمية يقودها الفيدرالي الأمريكي “للحفاظ على التنافسية وتخفيف الأعباء عن كاهل الاقتصاد الكلي”.
يعتقد بعض المحللين أن مسار تراجع التضخم — إذا ما تأكد في بيانات شهر يناير المنتظر صدورها اليوم — واستقرار الجنيه، قد يفتح الباب لخفض قوي في البداية بمقدار 200 نقطة أساس. يتوقع هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث في شركة الأهلي فاروس، خفضا بهذه النسبة إذا استمرت الظروف مستقرة. وقال جنينة: “إن شاء الله هنلاقي رقم تضخم يناير في حدود الـ 11.5%، وإن شاء الله الخفضة المرشحة (200 نقطة أساس)”. وتتفق سهر الدماطي، نائب رئيس بنك مصر السابق، مع هذا الرأي؛ إذ تتوقع خفضا بحدود 200 نقطة أساس، مستندة إلى التحسن الكبير للغاية في مؤشرات الاقتصاد الكلي، وأيضا تحسن سعر الصرف الذي ترى أنه قد يصل أيضا إلى نحو 45-46 جنيها أمام الدولار.
وتشير هبة منير، محللة الاقتصاد الكلي بشركة “إتش سي”، إلى أنه حتى مع خفض الفائدة بمقدار 150-200 نقطة أساس، فإن معدل الفائدة الحقيقي في مصر يظل إيجابيا للغاية، إذ يقترب من 9% عند تعديله وفقا لتوقعات التضخم لمدة 12 شهرا. ومع تراجع التضخم بوتيرة أسرع من أسعار الفائدة الاسمية، فإن العائد الحقيقي لمديري الأصول يتحسن فعليا حتى مع خفض المركزي للفائدة. ويمنح هذا اللجنة مساحة كبيرة لخفض الفائدة دون المخاطرة بخروج غير منظم لاستثمارات المحافظ الأجنبية.
ويتوقع أحمد حافظ، رئيس قطاع البحوث في بلتون المالية القابضة، خفضا بين 100 و150 نقطة أساس، لكنه يحذر من أن التوقيت “دائما صعب”، بسبب عدم اليقين المحيط بتعديلات الأسعار المرتقبة للكهرباء والسجائر.
رجحت إسراء أحمد، محللة الاقتصاد الكلي بشركة ثاندر لتداول الأوراق المالية، تثبيت أسعار الفائدة، وكانت صاحبة الصوت الوحيد الذي حمل هذا الرأي. فقد اقترحت أن المركزي قد “يفضل التريث لدراسة أثر تحركات الخفض السابقة على السوق” وسلوك المدخرين مع انتهاء آجال الشهادات مرتفعة العائد. وأشارت أيضا إلى ضغوط موسم شهر رمضان وتقلبات النفط العالمية بوصفها أسبابا للحذر. ومن لندن، يتوقع الخبير الاقتصادي علي متولي مسارا تدريجيا، مرجحا خفضا إجماليا بمقدار 100 نقطة أساس خلال الربع الأول بأكمله، بدلا من خفض كبير دفعة واحدة.
ورغم النبرة المائلة للتيسير، لا يتجاهل المحللون المخاطر المحتملة. إذ يحذر الخبير الاقتصادي هاني أبو الفتوح من مخاطر “خروج الأموال الساخنة”، وتراجع جاذبية الودائع بالجنيه إذا انخفضت الفائدة بسرعة كبيرة. كذلك يرهن جنينة توقعه بعدم حدوث صدمات جيوسياسية مفاجئة، لا سيما على المستوى الإقليمي.
ومع استقرار أسعار الفائدة الحقيقية في المنطقة الإيجابية، يتحول تركيز السياسة النقدية نحو دعم النمو وتخفيف العبء الثقيل لخدمة الدين الحكومي. ويتوقع المحللون بشكل واسع خفضا تراكميا للفائدة لا يقل عن 600 نقطة أساس في عام 2026، مع وصول بعض التوقعات إلى 800 نقطة أساس على المدى المتوسط. ويرى حافظ مسارا واضحا لخفض بحدود 700 نقطة أساس هذا العام رغم الضجيج القصير المدى الناجم عن توقيت تعديلات الأسعار، في حين أشار جنينة إلى مجال لخفض بين 600 و800 نقطة أساس، ويتوقع أبو الفتوح خفضا أكثر تدرجا بين 300 و400 نقطة أساس خلال الأشهر الستة المقبلة لدعم النمو دون إعادة إشعال الضغوط التضخمية.