في مدينة بيليم البرازيلية، الواقعة في منطقة الأمازون، كانت أجواء مؤتمر المناخ (COP30) مختلفة تماما عن قاعات المفاوضات الرسمية التي اعتدنا عليها في القمم السابقة. فهناك، كان وجودنا في قلب هذه الغابات المطيرة بمثابة تذكير جليّ بأن سياسات المناخ ليست مجرد نقاشات نظرية، بل هي ضرورة حتمية لحماية المجتمعات التي تسهم في الحفاظ على التوازن البيئي. وبصفتنا ممثلين عن سيكم وجامعة هليوبوليس في هذه القمة، انصبت مهمتنا على توضيح أهمية الزراعة المستدامة كحل شامل لمواجهة التغيرات المناخية، سواء عبر استصلاح الصحراء المصرية أو حماية غابات الأمازون، بالتوازي مع الالتزام بآلية “الانتقال العادل” لإنصاف صغار المزارعين وضمان حقوقهم.
تهدف آلية “الانتقال العادل” إلى ترسيخ الالتزام بالتحول نحو الاقتصاد الأخضر، دون تحميل الفئات الأكثر احتياجا أية أعباء مالية أو اجتماعية. ويكتسب هذا المبدأ أهمية استثنائية في قطاع الزراعة؛ إذ لا يمكن مطالبة المزارعين بالتخلي عن أساليبهم التقليدية لصالح ممارسات مستدامة، من دون توفير شبكة حماية تضمن استقرار سبل عيشهم خلال فترة التحول.
العوائق الاقتصادية والحلول المبتكرة
تظل العقبة الرئيسية أمام تطبيق ممارسات الزراعة المستدامة هي الأعباء التمويلية الكبيرة التي يتطلبها هذا التحول. ومن هذا المنطلق، أكدت خلال فعاليات المؤتمر على كفاءة أنظمة “الدفع مقابل الخدمات البيئية”(PES) ؛ باعتبارها “الحل المبتكر” الذي يضمن استعادة النظم البيئية حول العالم. فمن خلال مكافأة المزارعين بمنحهم شهادات كربون موثوقة، نوفر آليات تمويل تتسم بالشفافية، تدعم التحول إلى ممارسات الزراعة المستدامة، فضلا عن تشجيع تبني حلول الطاقة الشمسية والإدارة الرشيدة للموارد المائية. وهو ما يجسد جوهر عمل سيكم في مصر؛ إذ ينصب تركيزنا على تطوير النظام البيئي بشكل متكامل، مع التزامنا الراسخ بحماية حقوق المزارعين وضمان استقرارهم.
التعليم كمحرك أساسي للتغيير
نؤمن في جامعة هليوبوليس بأن تنمية الوعي بقضايا المناخ والاستدامة هي المحرك الأساسي للتقدم؛ لذا لا تقتصر مهمتنا على تخريج جيلٍ يعي تحديات المناخ فحسب، بل نؤهل طلابنا ليكونوا قادة مؤثرين في مجال العمل المناخي. فمن خلال تخصيص كلية متكاملة لعلوم الزراعة الحيوية، وتشجيع الطلاب على التطبيق العملي لممارسات الاستدامة عبر “التعلم القائم على المشاركة المجتمعية”، نرسخ الوعي بأهمية هذه الممارسات كمعيار مهني أصيل في كافة المجالات.
في نهاية المطاف، تظل السياسات الدولية والتمويل المناخي، رغم أهميتهما، مجرد أدوات تقنية لن تكتمل قيمتها إلا إذا اقترنت بتطوير الوعي البشري؛ لضمان استدامة هذا التغيير. وهو ما أكدت عليه مناقشات ‘بيليم’ كحقيقة راسخة؛ مفادها أن تمكين المجتمع هو السبيل الوحيد لتحويل السياسات إلى واقع ملموس يساهم فعليا في حماية البيئة.
د/ أحمد الشاذلي، نائب رئيس جامعة هليوبوليس للتنمية المجتمعية والشراكات