📉 شهدت العملات الرقمية وتحديدا بتكوين بداية عام صعبة للغاية، إذ بلغت العملة الرقمية الأشهر أدنى مستوياتها منذ أكتوبر 2024، فاقدة لنحو 24% من قيمتها منذ بداية 2026، لتهوى إلى مستوى 60 ألف دولار تقريبا — أي بخسارة 20 ألف دولار — خلال الخميس الماضي. ومع أنها نجحت في الارتداد بشكل طفيف خلال الأيام القليلة الماضية إلى 70 ألف دولار، إلا أن التقلبات السعرية التي شهدتها بتكوين تمثل انخفاضا بأكثر من 50% من قمتها التاريخية عند 126 ألف دولار في أكتوبر الماضي.

التراجع يطال الجميع: شهدت عملة إيثيروم، ثاني أكبر الأصول الرقمية، تراجعا هي الأخرى بنسبة 28% تقريبا منذ بداية الشهر الحالي، لتتداول عند 1746 دولارا الجمعة الماضي، مسجلة أدنى سعر يومي لها منذ أبريل 2025. ويبقى الخاسر الأكبر من موجة التراجع شركة ستراتيجي التابعة لمايكل سايلور، فانخفاض القيمة السوقية للعملات المشفرة يفاقم آلام الشركة التي سجلت صافي خسارة بنحو 12.4 مليار دولار في الربع الرابع، بحسب وول ستريت جورنال.

هذا الانهيار الملحوظ في أسعار بتكوين، أعاد إلى المستثمرين ذكريات ما قبل انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نوفمبر 2024، عندما كانت تتداول عند أقل من 70 ألف دولار، إذ محا كل المكاسب الهائلة التي شهدتها العملة في أعقاب عودته إلى البيت الأبيض وإعلانه دعم العملات الرقمية بقوة، متعهدا بأن تصبح الولايات المتحدة “عاصمة العملات المشفرة على وجه الأرض”.

أسطورة الذهب الرقمي: ومع أن الارتداد كان سريعا، إلا أن التراجع الأخير جاء ليؤكد على ما يراه الكثيرون بأن العملات المشفرة لا تمثل ملاذا آمنا، إذ خسرت العملات الرقمية نحو تريليوني دولار من قيمتها السوقية الإجمالية منذ أكتوبر الماضي، منها 800 مليار دولار خلال الشهر الأخير وحده، بحسب رويترز نقلا عن بيانات كوين جيكو. وذلك بالتزامن مع تراجع موجة البيع التي طالت الأصول عالية المخاطر وتحديدا أسهم الشركات التكنولوجية الكبرى، وسط مخاوف من الذكاء الاصطناعي والمبالغة في التقييمات.

ما الذي دفع إلى مثل هذا التراجع؟ رغم مرور 17 عاما على وجودها، إلا أن العملات المشفرة لم تتجاوز كونها استثمارا خطرا، وأي استثمار يحمل درجة عالية من الخطورة يتطلب بيئة معينة تشجع الإقبال عليه. مع التوترات الجيوسياسية التي يشهدها العالم، وسياسات دونالد ترامب التي — رغم دعمها للعملات المشفرة بشكل غير مسبوق — لا تزال مثيرة للقلق، اندفع المستثمرون نحو الملاذات الآمنة الحقيقية (الذهب والمعادن النفيسة)، وأظهروا تراجعا ملحوظا في شهية المخاطرة. كما دفع الضغط على سوق العقود الآجلة الدائمة منذ التراجع الكبير في أكتوبر إلى تصفية مراكز الشراء، وهو الاتجاه الذي ظل سائدا، إذ صفيت أكثر من 3 مليارات دولار من رهانات ارتفاع البيتكوين خلال الجمعة وحده، بحسب بلومبيرج نقلا عن بيانات كوين جلاس.

ولأن سيولة سوق العملات المشفرة تعد عاملا أساسيا لضمان الاستقرار، يمكن أن تمثل حتى أكثر التدفقات تواضعا تضخمات في الأسعار ومزيد من عمليات التصفية في حالات السيولة المنخفضة، وهو ما حدث. وفيما يرى البعض أن ما حدث يمثل موجة تصحيح بعد الارتفاعات التي شهدتها العملات المشفرة خلال النصف الثاني من 2025 متجاوزة مستوى 90 ألف دولار، إلا أنها تعكس هشاشة في السوق وتأثرها الشديد بتطورات السياسات النقدية العالمية، خاصة وأن التراجع ازدادت حدته في أعقاب إعلان ترامب ترشيح كيفن وارش لقيادة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وهو المعروف بتوجهاته المتشددة فيما يخص السياسة النقدية.

عن المستقبل: لا تزال العملات المشفرة أداة تحوط متواضعة مقارنة بأسهم القيمة والمعادن النفيسة، خاصة في ظل سياسات التقييدالمتشددة التي أعلنتها الصين مؤخرا، والتي تحظر إصدار العملات الرقمية في الخارج أو تلك المرتبطة باليوان دون ترخيص. وفيما تشير التوقعات إلى أن موجة الانخفاض الحالية قد تستمر على المدى القريب، يتوقع حدوث استقرار في أساسات السوق على المدى الطويل. ويذهب البعض إلى أبعد من ذلك، إذ يقدرون البيتكوين كملاذ آمن على المدى الطويل باعتباره أكثر جاذبية حاليا من الذهب، حسبما يرى المحلل في جي بي مورجان نيكولاوس بانيجيرتزوجلو.

وفي وقت يتسم بالغموض والتذبذب، يترقب المستثمرون تطورات السياسات النقدية وبيانات التضخم والبطالة الأمريكية المنتظر صدورها يومي الأربعاء والجمعة على الترتيب، والتي ستمنح الأسواق مؤشرات قد تدفعها إيجابا نحو الانتعاش أو سلبا إلى مزيد من موجات البيع.