لا تزال ديناميكيات العرض والطلب تثير الجدل في السوق العقاري مع دخولنا عام 2026، وسط انقسام واضح بين كبار المطورين الذين نجحوا حتى الآن في الحفاظ على مبيعات قوية وحماية هوامش أرباحهم، وبين سوق إعادة البيع، أو ما تعرف بـ “السوق الثانوية”، حيث يواجه ملاك العقارات صعوبة في التخارج وتسييل أصولهم.
جسّد مفهوم “التصحيح” محور نقاش مثير للاهتمام خلال مؤتمر التطوير العقاري بغرفة التجارة الأمريكية بالقاهرة مؤخرا. ضمت الجلسة كلا من أيمن عامر، المدير العام لشركة سوديك، وحازم هلال، الرئيس التنفيذي لمدن “أو ويست” ومكادي هايتس وبيوم التابعة لشركة أوراسكوم للتنمية، وأحمد فتحي، الرئيس التنفيذي المشارك لشركة مصر إيطاليا العقارية. وأدار الحوار إبراهيم المسيري، الرئيس التنفيذي لشركة أبو سومة للتنمية السياحية.
“نحن نتحدث عن أزمة في السوق العقاري منذ سنوات، لكنها في الحقيقة ليست أزمة، بل دورة اقتصادية”، حسبما قال عامر. تصعد السوق، ثم تعدل الدورة مسارها، ثم نتحرك مجددا. وأشار عامر إلى أن الأسعار كانت منخفضة جدا قبل 2006، ثم بدأت في الصعود المستمر حتى اليوم ولم تتوقف.
لكن هناك تطور في شكل الدورة: يرى عامر أن الدورة العقارية لم تعد تستغرق عامين أو ثلاثة أعوام كما في السابق، بل امتدت لتصبح “من خمس إلى سبع سنوات”. لا تزل السيولة موجودة، لكن فترة الاحتفاظ بالأصل امتدت. وأضاف أن نافذة الخمس إلى السبع سنوات تعني ضرورة وضع الأموال في العقار الصحيح. وفي الوقت نفسه، تجد رؤوس الأموال الضخمة خيارات محدودة؛ فالمعادن النفيسة لا يمكنها واقعيا استيعاب استثمارات بحجم 10 مليارات جنيه، مما يجعل العقار أحد الأصول القليلة القادرة على استيعاب رؤوس الأموال الكبيرة.
“السوق تمر بـ “عملية فلترة” وتصحيح”، وفقا لحازم هلال، الذي يرى أن عام 2025 كان عام التصحيح، وبدءا من 2026 سيتحرك النمو بطريقة مختلفة.
ويرى هلال أن التطوير المتكامل سيمثل عامل الحسم في هذه الفلترة؛ نظرا إلى أن جودة الحياة تعتمد جزئيا على السكن، ولكن “إذا كنت سأعيش في مكان، فأحتاج إلى خدمات طبية وتعليمية وأماكن للرياضة والتسوق”، حسبما أوضح.
واعترف هلال بأن الأسعار تجاوزت القدرة الشرائية قليلا، لا سيما بالنسبة للمقيمين في مصر الذين يتقاضون رواتبهم بالجنيه، حيث كانت الزيادات السعرية أعلى من نمو الدخل.
طوق النجاة يأتي من الخارج: يجتذب القطاع العقاري النصيب الأكبر من العملة الصعبة القادمة من المصريين بالخارج، التي قفزت بنسبة 42.5% على أساس سنوي لتصل إلى 37.5 مليار دولار في أول 11 شهرا من 2025، متجاوزة بفارق كبير إيرادات قناة السويس أو حتى السياحة، وفق هلال. وأشار إلى أن النمو الحالي في القطاع مدفوع جزئيا بنسبة المبيعات القادمة من المغتربين.
ولا يتوقع أحمد فتحي أن يكون التصحيح في الأسعار، بل في الشركات، التي سيختفي بعضها فيما ستندمج بعضها الآخر نتيجة لذلك. وأضاف أن السوق لم تكن بهذا الوضع قبل 20 عاما، لكن في اليوم الحالي تعمل الشركات في القطاعات السكنية والتجارية والإدارية في بيئة أكثر تنافسية بكثير.
“يعني التصحيح أيضا تقديم المنتج المناسب من حيث المساحة، وكفاءة الاستخدام، وخطط السداد، والسعر بكل تأكيد”، وفقا لفتحي. وأضاف أنها في نهاية المطاف معادلة معقدة تتطلب ضبط متغيرات عديدة للنجاح. “لا يزال الطلب قوياً على المنتجات الفاخرة جدا ما دام المنتج المناسب متوفرا”، بحسب عامر، الذي كشف أن 70% من مبيعات سوديك تأتي من هذه الفئة. يتميز هؤلاء المشترون بأنهم انتقائيون للغاية، وتكون معاييرهم مرتفعة جدا لأنهم مطلعون نتيجة لسفرهم حول العالم، لذا يجب تقديم ما يبحثون عنه بالضبط.
ماذا يريد الجيل الجديد؟ “عندما سألنا الجيل زد والمشترين الأصغر سنا إن كانوا تريدون العيش في شقق صغيرة جدا، كانت الإجابة كلا”، حسبما قال عامر. فأبناء هذا الجيل لا يريدون غرفا أكثر، بل غرفا أقل ولكن بمساحات رحبة. وأضاف: “هم لا يفضلون العيش في شقق على طراز شقق لندن الضيقة. ثقافتنا مختلفة؛ فنحن شعب اجتماعي ومضياف بطبعه. وعليك أن تقدم منتجا يخاطب هذه الطبيعة”.
حسم هلال الجدل نيابة عن القطاع بأكمله: “شائعات تراجع الأسعار بنسبة 25-30% لن تتحقق.. الأمر ببساطة مستحيل حسابيا”. وشرح هلال المعادلة الصفرية للمطورين، موضحا أن أسعار الأراضي ثابتة، وتكاليف الإنشاء والتمويل لا تزال باهظة، والرواتب لا تنخفض، ناهيك عن استمرار أعباء التسويق والعمولات. “طالما لم تنكمش هذه التكاليف، فمن المستحيل أن تنهار الأسعار البيعية”، بحسب تعبيره.
فقد كانت هوامش الربحية ضئيلة بالفعل. فلم تدر المشروعات التي بيعت بين 2018 وأوائل 2022 دخلا يذكر في كثير من الأحيان، بحسب هلال، مشيرا إلى أن المطورين الذين حققوا هوامش ربح في خانة الآحاد كانوا محظوظين جدا. ولا يكمن الحل في تقديم سعر أرخص لمتر الأرض، بل في التصميم الذكي. إذ إن الفيلات الضخمة والتخطيطات غير الفعالة لم تعد مجدية؛ وينبغي للتركيز أن ينصب على جعل القيمة الإجمالية للعرض” جذابة ومناسبة دون خفض سعر المتر.
القدرة الشرائية تبدو مختلفة عند قياسها بالدولار. يخلق تسعير العقارات بالجنيه سردية مشوهة، حسبما يرى عامر، موضحا أن الأصول الفاخرة في مصر يبلغ متوسط سعرها نحو ألف دولار للمتر. في المقابل، تبدأ الأصول المماثلة في دول الخليج من 6-7 آلاف دولار، وتصل في الأسواق الأوروبية المميزة إلى 10 آلاف دولار. وبهذه المقاييس، لا تزال العقارات المصرية أقل من قيمتها العادلة وليست باهظة.
لكن المشاركة الأجنبية لا تزال ضئيلة. إذ يذهب نحو 3% فقط من إجمالي مبيعات العقارات للأجانب في سوق يقدر حجمه بـ 34 مليار دولار، مقارنة بنحو 15% في دول مثل البرتغال. ليست المشكلة في جودة المنتج بل في نطاق التسويق، إذ لا تسوق مصر نفسها بقوة في الخارج، وغالبا ما يعمل المطورون في جزر منعزلة بدلا من الترويج للوجهة بأكملها، وفقا لعامر.
تبرز العقارات المرتبطة بقطاع الضيافة بصفتها أهم مسارات تصدير طبيعية. يقول فتحي إن الطلب قوي بالفعل في القاهرة والساحل الشمالي والبحر الأحمر، مع تزايد اهتمام المشترين الخليجيين والمغتربين. فقد أصبح الساحل الشمالي تحديدا يقارن بالوجهات الدولية وليس المحلية. وتتوسع خطط التطوير وفقا لذلك، بما يشمل نحو 16 فندقا مخططا لها خلال السنوات الأربعة إلى الخمسة المقبلة، إلى جانب الشقق الفندقية ذات العلامات التجارية المصممة لضمان سلاسة تجربة التملك بالنسبة للمشترين الأجانب.