تحررت مصر من أسر الاعتماد الحصري على نموذج رأس المال المغامر القائم على حقوق الملكية، وهو النموذج الذي لا يزال يبسط نفوذه على المشهد التكنولوجي في غالبية أرجاء القارة الأفريقية. يواصل النظراء الإقليميون يصارعون تقلبات البيئة العالمية لرأس المال المغامر، ولكن في المقابل حافظت منظومة الشركات الناشئة في مصر على استقرارها في عام 2025، ويعود الفضل في هذا إلى تماسك السوق المتوسطة التي تضم شركات مرنة تخوض جولات التمويل الأولية والثانوية، مدعومة بصفوة من الكيانات الكبرى التي تحولت شبه كليا نحو أدوات الدين المؤسسي المتطورة، وفق تقرير الاستثمار في أفريقيا لعام 2025 الصادر عن مؤسسة برايتر المتخصصة في معلومات الأسواق الناشئة.
بالأرقام: اجتذبت مصر تمويلات رأس المال المغامر بقيمة تزيد على 595 مليون دولار العام الماضي، لتحتل المرتبة الثالثة على مستوى القارة بحصة 15% من إجمالي التمويل في أفريقيا. وتصدرت جنوب أفريقيا المشهد بـ 1.2 مليار دولار (32%)، تلتها كينيا بـ 1.1 مليار دولار (29%).
لكن القراءة الفاحصة إلى التفاصيل تكشف أن “هيكل التمويل في مصر بات واحدا من الأكثر تعقيدا في أفريقيا”، حسبما قالت برايتر لإنتربرايز. وفي حين لا تزال الشركات الناشئة في مراحلها المبكرة تعتمد على حقوق الملكية التقليدية (التي تمثل 70% من حجم التمويل)، تتوسع الشركات الكبرى عبر آليات الدين التي تغيب بشكل كبير عن بقية أنحاء القارة.
وشكلت السندات وحدها ما يقرب من 30% من حجم التمويل في 2025، بقيادة شركات من العيار المؤسسي مثل “إم إن تي-حالا” و”بكرة”. ويشير هذا إلى بيئة تمويل “ذات مسار مزدوج”، تنطلق فيها الشركات الجديدة عبر الأسهم، بينما تتوسع الشركات المتقدمة في مراحل النمو بشكل متزايد باستخدام أدوات دين متطورة.
ما أهمية ذلك: في الوقت الذي لا يزال النظراء في المنطقة رهينة لتقلبات معنويات مستثمري رأس المال المغامر، يشف توجه الشركات الناشئة المصرية نحو آلية التوريق نجاح بعض اللاعبين المحليين في توليد تدفقات نقدية مستقرة وترسيخ معايير الشفافية اللازمة لخدمة الديون المؤسسية، مما يفتح مصادر سيولة أكثر موثوقية ومحصنة ضد تقلبات المزاج الاستثماري عند الحاجة.
تمتلك مصر قاعدة عريضة من الشركات المتوسطة بشكل فريد تميزها عن نماذج نظرائها التي يتركز فيها الثقل في القمة في أفريقيا، بحسب برايتر. إذ يقع نحو 55% من الصفقات المعلنة في البلاد الآن ضمن نطاق 1-20 مليون دولار، مما يعكس تدفقا قويا ومستمرا للشركات التي تجاوزت ما يسمى بـ “وادي الموت” وبدأت الآن مراحل النمو.
كذلك على مستوى التخارجات الاستراتيجية في 2025، حظيت مصر بموقع الريادة “من خلال استحواذها على نحو ثلث نشاط الاستحواذ في أفريقيا”. وكانت صفقات الاندماج والاستحواذ الـ 63 المعلنة في 2025 أكثر تنوعا مقارنة بباقي المنطقة، فقد شملت قطاعات التكنولوجيا المالية، والتجارة الإلكترونية، والتكنولوجيا الصحية، والبرمجيات.
لم تكن هذه التخارجات متنوعة فحسب، بل كانت محلية بشكل ملحوظ. في تعليقها لإنتربرايز، وصفت برايتر الأمر بوجود “مزيج صحي” من شركات التكنولوجيا المالية والبرمجيات والعقارات التي تشتري “أصولا محلية، مما يخلق دورة سيولة ذاتية الاستدامة تعتمد بشكل أقل على التخارجات الأجنبية”.
التوسع الإقليمي: تميز عام 2025 — وأيضا عام 2026 على الأرجح — باتخاذ الشركات التي تتخذ من القاهرة مقرا خطوات نحو التوسع في أسواق أخرى عبر تصدير بنيتها التحتية التقنية ونماذج البرمجيات خفيفة الأصول، بحسب برايتر. شهد العام الماضي اندماج “ماكساب” و”واسوكو” لإنشاء “شبكة تجزئة موحدة تخدم 450 ألف تاجر عبر مصر والمغرب وكينيا ورواندا وتنزانيا”. وفي الوقت نفسه، سعت “موني فيلوز” لتوسيع نموذج الادخار الرقمي في المغرب، وبحثت “سويفل” عن عقود نقل مؤسسي ذات هوامش ربح أعلى في أسواق مثل الكويت. وأيضا تطلعت “إم إن تي-حالا” لتوسيع نموذج الشمول المالي الخاص بها عبر المنطقة. فماذا عن 2026؟ من المتوقع رؤية المزيد من نفس التوجه، أو على الأقل لن يكون أقل مما شهدناه في 2025.