📊 في السنوات القليلة الماضية، شهدت بيئات العمل حول العالم وفي الداخل تغيرات جذرية، والسبب الرئيسي؟ صعود وانتشار أدوات ووكلاء الذكاء الاصطناعي وما ترتب على ذلك من إعادة هيكلة للمؤسسات. وبينما نجحت بعض الشركات في التكيف أكثر من غيرها، إلا أن الأغلبية لم تجد حتى الآن العائد على الاستثمار الذي وُعدت به. في 2025، تعثرت سوق العمل وتآكلتالثقة بين الموظفين وأصحاب العمل، وبدا أن ظاهرة العمل الرديء، قد جعلت الموظفين أقل إنتاجية وأكثر انفصالا عن عملهم.
والآن يطرح السؤال نفسه: كيف سيكون العام الحالي على بيئات العمل؟ الإجابة المختصرة هي على الأرجح المزيد من الشيء نفسه، بحسب تقرير نشرته هارفارد بيزنس ريفيو مؤخرا، أما الإجابة التفصيلية، فدعونا نستعرضها سويا.
الرهان يستمر رغم تواضع النتائج: رغم الأداء المتعثر الذي ترتب على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في سوق العمل، لا يزال المدراء التنفيذيين والقيادات الكبرى على أتم استعداد للاستمرار والمضي قدما في استثماراتهم. من ينظر إلى الواقع يدرك الحقيقة المؤلمة، فاستثمار واحد فقط من بين كل 50 استثمارا في أدوات الذكاء الاصطناعي يقدم قيمة حقيقية بالفعل، وواحد فقط من بين كل خمسة يوفر عائدا ملموسا على الاستثمار وفق التقرير. الكثير من القيادات تتخذ قراراتها الاستراتيجية، بناء على افتراض واحد: قد يحين موعد جني ثمار الاستثمارات قريبا.
من بين هذه القرارات؟ تسريح العمالة: رغم اعتقاد الكثيرين أن حالات تسريح العمالة تأتي كنتيجة لتوظيف أدوات الذكاء الاصطناعي، إلا أن أقل من 1% من حالات التسريح في النصف الأول من العام الماضي جاءت كنتيجة مباشرة له أو لكون تلك الأدوات أكثر إنتاجية مثلا. وفي حين قد يبدو ظاهريا أن الآلة تحل محل الإنسان — وأن المسؤولين يميلون لتقليص العمالة بناء على هذا التصور — فإن الواقع يشير إلى أن 88% من مسؤولي الموارد البشرية يؤكدون عدم حصولهم على أي فائدة تذكر من أدوات الذكاء الاصطناعي، بحسب تقرير مؤسسة جارتنر.
معنى ذلك أن الموظفين يفقدون وظائفهم الآن بناء على مجرد احتمالية وفرضية لم تتحقق بعد، وقد يشهد عام 2026 إعادة تعيين المواهب التي جرى الاستغناء عنها قبل الأوان، وهو ما سيكلف الشركات الكثير ماديا ومعنويا، بحسب تقرير هارفارد.
مع دخول الذكاء الاصطناعي المشهد الوظيفي، بلغ الاحتراق الوظيفي مستويات قياسية، إذ تؤدي ضغوط الأداء في عالم مدفوع بالذكاء الاصطناعي إلى عواقب وخيمة، تخلق فجوة ثقافية بين ما تدعي المؤسسة أنها تمثله، وبين ما يشعر به موظفوها بالفعل. فالأداء يتراجع وارتباط الموظفين بالعمل في أدنى مستوياته. وفي حين يبذل الكثيرون الجهد المضني للتكيف مع مستقبل يهيمن عليه الذكاء الاصطناعي، يبدو أن لا أحد يهتم حقا بتقييم تأثير هذا التغيير على البشر.
بقاء الشركات بات مرهونا بقدرتها على تصحيح المسار، من خلال إعادة تقييم ثقافتها وتوقعاتها، والاستثمار في المواهب البشرية، خاصة مع تزايد الأدلة على وجود صلة بين الاستخدام المستمر للذكاء الاصطناعي والضرر العاطفي والإدراكي، بحسب هارفارد. وفي الوضع الحالي، لا يخصص نحو 91% من القادة أي وقت يذكر لدراسة تأثير استخدام الذكاء الاصطناعي على الموظفين، وفقا لتقرير جارنتر.
ماذا عن أم الدنيا؟ لن يتمكن نحو 75% من الموظفين المصريين المعرضين لخطر أتمتة وظائفهم بواسطة الذكاء الاصطناعي، من العثور على مسارات مهنية بديلة. وفقط 24.4% من موظفي الفئات عالية المخاطر لديهم مسارات انتقال واقعية، بينما يحتاج الـ 75.6% المتبقون إلى إعادة تأهيل مكثفة، وذلك حسبما خلصت دراسة بحثية صادرة عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية (بي دي إف)، والتي شملت تحليلات لنحو 10 آلاف إعلان وظيفة و20 ألف مهارة وظيفية محليا.
الموظفون الذين قد يجدون فرصا بديلة هم أولئك الذين يمتلكون مهارات يمكن توظيفها في أكثر من مجال، وأغلبها تتعلق بالإدارة والقيادة والمهارات الناعمة، بحسب الدراسة. أما الأغلبية فهم في مأزق، إذ تؤكد الدراسة أن صقل المهارات التقنية وحدها وتجاهل المهارات الشخصية قد لا يكون هو الحل. بدلا من حصر الذات في الجوانب التقنية الضيقة، ينبغي على الموظف السعي لحماية نفسه عبر تعزيز المهارات الاستراتيجية والإبداعية والإدارية.
باختصار؟ مهما بدا ذلك مبتذلا، فإن إنسانيتنا هي ما سيبقينا في وظائفنا. لكن سوق العمل في الداخل والخارج ستحتاج إلى التوسع في تقديم وظائف توازن بين المواهب البشرية والابتكار التقني، دون أن تعتمد في جوهرها على عنصر واحد وتهمل الآخر. من الضروري وجود برامج إعادة تأهيل شاملة، وشهادات معتمدة للمهارات الإبداعية والإدارية والاستراتيجية وتدريب عام للأدوار الإدارية، حسبما تقترح الدراسة. وبينما كشف عام 2025 عن العيوب الهيكلية في دمج الذكاء الاصطناعي في سوق العمل، يمثل العام الحالي نقطة تحول في كيفية توجيه المؤسسات للحفاظ على القوى العاملة البشرية على المدى الطويل.