فنجان قهوة مع أحمد جاب الله، المؤسس والرئيس التنفيذي لـ “سُكنة”: عندما ترك أحمد جاب الله وادي السيليكون ليؤسس أول شركة ناشئة لخدمات الجنازات في مصر، لم يستوعب كثيرون ما الذي كان يفكر فيه هذا الشاب القادم من جوجل وفيسبوك، خاصة في وقت كانت فيه الشركات الناشئة التكنولوجية في مصر في أوج انطلاقها. وبعد سبع سنوات، أصبحت “سُكنة” خيارا لا غنى عنه للكثيرين عند وقوع حالة وفاة، إذ تعمل في جميع أنحاء البلاد، وتتعاون مع المستشفيات والسفارات والنقابات، وتطبق بهدوء البيانات والتكنولوجيا في واحد من أكثر القطاعات تقليدية في العالم. أجرينا مقابلة مع جاب الله للحديث عن مشروع المقابر المرتقب للشركة، وخارطة الطريق التكنولوجية لعام 2026، وكيف تستعد الشركة للتوسع عالميا.

إنتربرايز: عندما التقينا معك لأول مرة في عام 2021، كان الناس يستغربون هذا الشخص الذي ترك وادي السيليكون ليصبح “حانوتيا” في مصر. هل ما زالوا يرونك بهذه الطريقة؟

أحمد جاب الله: الوضع اختلف تماما اليوم. عندما تحدث وفاة، يقول الناس: “لماذا لم تتصلوا بسُكنة؟”. أصبحت جزءا مما يفعله الناس تلقائيا عند حدوث الوفاة. النمو جاء من رؤية الناس للفريق على أرض الواقع وتقديرهم للخدمة. قبل نحو ثلاث سنوات، وصلنا إلى نقطة تحول — تزايد الوعي بشكل كبير، وأصبح النمو عضويا. هذا هو ما يعنيه “صافي نقاط الترويج” على أرض الواقع. التسويق التقليدي لا يجدي نفعا في مساحة حساسة كهذه.

إنتربرايز: لنعد إلى البداية. دشنتم عملياتكم نحو سبع سنوات؟

جاب الله: في مارس 2019 بالتحديد. كنا ثلاثة أشخاص وتولينا تنظيم 19 جنازة في ذلك العام. كنت أنا مدير الجنازة؛ والآخران ركزا على البحث. عملنا في مصر، ثم سافرنا إلى سبع دول — سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا وغيرها — لدراسة كيفية تنظيم الجنازات. حضرنا جنازات، وأجرينا استطلاعات رأي، وتحدثنا مع العائلات، ورافقنا متعهدي دفن الموتى. بحلول نهاية عام 2019، كنا قد بنينا عملية احترافية تتكون من 14 خطوة. وفي يناير 2020، عيِنا فريقنا الأول — ستة أشخاص — وأطلقنا سُكنة رسميا.

إنتربرايز: هل بدأت بالأهل والأصدقاء؟

جاب الله: بالطبع لا. لا يمكنك أن تطلب من الأصدقاء الاتصال بك عندما يموت شخص عزيز عليهم. جربنا كل شيء. تحدثنا مع حراس العقارات في الزمالك، ووزعنا الكروت — لم يفلح الأمر. سرادقات العزاء كانت مرحلة متأخرة جدا. مكاتب الصحة لم تنجح.

في النهاية، أدركنا أن المستشفيات هي نقطة الدخول الحقيقية. لذا ذهبنا إلى المستشفيات وتحدثنا مع الأمن. 99% رفضونا. ثلاثة شباب يحملون دفاتر ملاحظات — أحدهم عاد لتوه من الولايات المتحدة — يقولون إنهم سينظمون الجنازات. حتى منحنا شخص واحد فرصة وأجرى مكالمة. كانت تلك أول حالة لنا. كنا نعمل من منزلي. عندما جاءت المكالمة، أسرعنا — قدت السيارة بسرعة جنونية.

إنتربرايز: بصفتك قادما من وادي السيليكون، اخترت نشاطا لا يعتمد في جوهره على التكنولوجيا. كيف تتوسع الشركة إذن؟

جاب الله: في البداية كنت على وشك ارتكاب الخطأ الكلاسيكي: إطلاق التطبيق أولا. بعد تنظيم أول 19 جنازة بنفسي، أدركنا أن الناس في حالة الحزن لن يقوموا بتحميل تطبيق. لا يمكنك بناء التكنولوجيا لمجرد التكنولوجيا وفرضها على الناس.

في سُكنة، تعمل التكنولوجيا في الخلفية — توزيع المهام، التنبؤ، تتبع البيانات، واتخاذ القرار. داخليا، التكنولوجيا موجودة في كل مكان. خارجيا، السؤال الوحيد: ما الذي يساعد العميل حقا؟

هذا العام، سنطلق منتجات تعتمد على التكنولوجيا تجعل التجربة أسهل وتسمح لنا بالتوسع خارج مصر. الموت حقيقة مؤكدة. التحدي يكمن في إيجاد النقطة التي تكون فيها التكنولوجيا ذات صلة عبر الثقافات المختلفة دون وجود مادي، ونعتقد أنه يمكن بناء ذلك من مصر.

إنتربرايز:هل تجاوز الطلب قدرتكم التشغيلية في أي وقت؟

جاب الله: دائما، حتى الآن. الفارق يكمن في كيفية إدارتنا للأمر. في الجوهر توجد معادلة العرض والطلب. نعرف بياناتنا التاريخية بدقة — كم عدد الخدمات التي قدمناها وكيف يتطور النمو العضوي.

نقوم أيضا بنمذجة الطلب المستقبلي. عندما ندخل في شراكة، ندرس معدلات الوفيات التاريخية في ذلك المستشفى. جغرافيا، المنطق نفسه ينطبق. إذا توسعنا في منطقة جديدة، يمكننا التنبؤ بالطلب باستخدام سبع سنوات من البيانات — حجم السكان، المستشفيات، معدلات الوفيات.

تخبرنا النماذج متى نوظف. إذا كانت الإشارة 100 شخص، نوظف 100 — وليس 200. الطلب هنا غير مرن، لذا الكفاءة أساسية. إذا توقعنا 100 حالة وحصلنا على 110، نقوم بتفعيل فرق مدربة تعمل بنظام الاستدعاء، والتي تتولى المهام منخفضة المخاطر، مثل التصاريح، بينما يمسك مدير الجنازة بزمام الأمور. عندما نلجأ إلى تلك الفرق بشكل متكرر، تكون هذه إشارة لضرورة تعيين موظفين بدوام كامل.

إنتربرايز: هل نجحتم في تحقيق الربحية؟

جاب الله: نحقق أرباحا بالفعل منذ سنوات الآن. من 2019 إلى 2021، مولت عمليات الشركة من مواردي الذاتية. كنت أعمل في وادي السيليكون ولم أكن قلقا بشأن المال. عندما أجرينا جولة تمويلية في عام 2022، لم يكن رأس المال هو الهدف. أردت شيئين: التحقق الخارجي من مستثمرين استراتيجيين يفهمون التنفيذ، وإذا دخلنا لاحقا في مجال المقابر، فأنا أريد مستثمرين عقاريين يمكنهم المساعدة في التنفيذ.

كنت أرغب في البداية في جمع 300 ألف دولار. وصل الطلب إلى 1.5 مليون دولار. استغرقت الجولة بأكملها 10 أيام. أدرتها بجدول زمني صارم: عرض تقديمي مدته 20 دقيقة، وأربعة إلى خمسة أيام للفحص النافي للجهالة، وموعد نهائي صارم، وأسبوع واحد للتوقيع والتمويل.

جذبنا كبار مستثمري رأس المال المغامر من الولايات المتحدة والمنطقة، بما في ذلك صندوق منتورز فند وأيه سي إي أند كومباني وكيه في فينتشرز — بالإضافة إلى شخصيات بارزة في القطاع العقاري، وقادة تكنولوجيا كبار قادوا التصميم في فيسبوك وإنستجرام وواتساب.

إنتربرايز: أنتم تعملون في جميع المحافظات. هل مصر متعددة الثقافات حقا عندما يتعلق الأمر بطقوس الجنازات؟

جاب الله: للغاية. هذا المجال شديد المحلية — تختلف الطقوس باختلاف المحافظات والأحياء، وحتى العائلات. اعتقدنا في البداية أننا نستطيع توحيد الخدمة. كان ذلك خطأ.

تختلف تجربة الموت كليا لدى كل شخص. البعض يريد السرعة، والبعض الآخر ينتظر الأسرة. البعض يريد طقوسا دقيقة؛ والبعض الآخر يريد الحد الأدنى من التدخل. الفرق الأكبر هو الاستجابة العاطفية — الغضب، الإنكار، الارتباك، السلام. التحدي هو فهم ما يحتاجه الشخص، غالبا دون أن يقوله، وبسرعة كبيرة. هذه ليست مشكلة منتج، بل مشكلة إنسانية.

عالميا، تحدد ثلاثة متغيرات كل سوق: الدين، والثقافة، والإطار القانوني. تختلف الأسواق بشدة، لكن هناك أسواقا بديلة تشترك في سمات معينة.

إنتربرايز: هل ينعكس هذا على خطة التوسع عالميا؟

جاب الله: نعم، وحتى للعمل بشكل صحيح في مصر كان علينا فهم هذا بعمق. إنه أحد أكثر مجالات البحث إثارة للاهتمام التي عملت عليها — حيث يتقاطع الدين مع الثقافة والموت.

منذ البداية، تحضر سُكنة بانتظام أكبر تجمع عالمي لمديري الجنازات — مؤتمر “إن إف دي أيه” في الولايات المتحدة. في كل مرة نذهب، تتواصل معنا شركات عالمية كبرى. إنهم يتابعون عملنا ومعجبون بنموذجنا القائم على البيانات وخارطة طريق التكنولوجيا الواضحة لدينا.

التكنولوجيا دخلت هذا المجال بالكاد — حتى في الولايات المتحدة. تظل هذه الشركات التي تقدر قيمتها مليارات الدولارات تقليدية للغاية. هنا تكمن الفرصة: الدخول، وإعادة تشكيل القطاع، ودفع الشركات القائمة لتبني ما نبنيه من خلال إثبات أن التكنولوجيا لدينا تضيف قيمة حقيقية.

إنتربرايز: لكن لم تعرض إحدى تلك الشركات الاستحواذ عليكم؟

جاب الله: لا، ونحن لا نريد ذلك. نحن نريد النمو عالميا.

هل ترغبون في المزيد؟ يُنشر الجزء الثاني من حوارنا مع جاب الله في عدد الغد من نشرتنا الصباحية — تابعونا.