💍 القفزات الجنونية في أسعار الذهب تعيد تعريف قطاع المجوهرات: على مدار العامين الماضيين، حطم الذهب الأرقام القياسية مرارا وتكرارا، محدثا صدمة في أسواق المجوهرات العالمية. في مصر حيث يحمل الذهب قيمة اجتماعية ومالية عميقة متأصلة في الثقافة والنسيج الشعبي، يواجه القطاع لحظة محورية قد تعيد تشكيل طريقة شراء (وارتداء وحتى تقييم) المصريين للمجوهرات إلى الأبد.

الصناعة بالأرقام: في عام 2024، ارتفعت أسعار الذهب في مصر بأكثر من 108%، إذ بلغ متوسط سعر الأوقية ما يعادل 109.5 ألفجنيه، قبل أن يرتفع إلى 167.8 ألف جنيه خلال العام الماضي مسجلا زيادة أخرى تتجاوز 50% على أساس سنوي. وفي أقل من شهر على بداية العام، قفز الذهب إلى مستويات جديدة بفضل التوترات الجيوسياسية، إذ ارتفع سعر الأوقية بنسبة 22% منذ ديسمبر 2025، مع تداول عيار 21 عند 252.7 ألف جنيه حتى وقت كتابة هذا التقرير. وشهدت قيمة الأوقية عالميا ارتفاعا كبيرا إلى نحو 5300 دولار، بزيادة تقدر بـ 17% منذ بداية العام، و90% على أساس سنوي.

بالنسبة لعلامات المجوهرات المحلية التي تشق طريقها في سوق متقلبة لا تهدأ، لا يقتصر التحدي على تعديل الأسعار يوميا فحسب، بل يتعداه إلى إعادة تعريف قيمة المنتج الذي يقدمونه في حد ذاتها.

المعنى لا السعر: تواجه علامة مثل عزة فهمي، الرائدة في صناعة المجوهرات، تقلبات الأسعار بفلسفة خاصة، تتجنب التفاعل مع كل تغير يحدث في الأسعار خارجها، فيما تركز على القيمة والقصة التي تتميز بها كل قطعة، وهو الجوهر الذي يميز نموذج أعمالها. “نركز على القيمة والحرفية وسرد القصص، وليس فقط على وزن المعدن. منتجاتنا مصنوعة يدويا وهو ما ينعكس في السعر، إلى جانب تكلفة المواد التي تعادل تكلفة الذهب أو الفضة”، حسبما صرحت الرئيسة التنفيذية للعلامة الشهيرة فاطمة غالي لإنتربرايز.

الصائغ المستقل يعاني: بينما تستفيد الماركات الراسخة من السمعة والحضور القوي في قطاع التجزئة، يواجه الصاغة المستقلون الضغوط ذاتها بموارد أقل بكثير، إذ يعتمدون في بقائهم داخل السوق على معرفتهم الوثيقة بالمواد الخام وعملية التصنيع والعملاء. الصائغ الذي كان يستمتع بصنع مجوهراته بتأني و”مزاج”، فرض عليه الواقع المتسارع أنماطا جديدة من الإنتاجية. وهو ما تؤكده صانعة المجوهرات المستقلة فرح عبد الحميد المتخصصة في الفضة، مضيفة أن ارتفاع الأسعار المفاجئ غير علاقتها فيما يتعلق بالمخزون ودورات الإنتاج، إذ باتت تشتري المعادن في أوقات وأسعار محددة لتجنب تغيير أسعار منتجاتها شهريا.

أفضل دافع للشراء؟ الخوف: يدفع ارتفاع الأسعار الكثير من المشترين إلى الشراء بدلا من الانتظار والتأني، وهو سلوك نفسي مرتبط بالخوف من ارتفاع الأسعار أكثر فأكثر، بحسب غالي. والدليل واضح، فمع وصول أسعار الذهب إلى مستويات قياسية في عام 2024، بلغت القيمة السنوية لاستهلاك المشغولات الذهبية عالميا 144 مليار دولار، بزيادة قدرها 9% عن العام السابق، حتى مع انخفاض الكميات الفعلية بنسبة 11%، بحسب بيانات مجلس الذهب العالمي.

السوق المصرية تثبت مرونتها أمام التقلبات: سجلت السوق المحلية زيادة في الطلب بنسبة 3% على أساس سنوي خلال الربع الأول من 2024، وهو الربع ذاته الذي شهدت فيه بعض الأسواق الأخرى مثل الإمارات والسعودية تراجعا ملحوظا في الإقبال على الشراء بنسب تتراوح بين 10-12%، بحسب بيانات مجلس الذهب العالمي. كما تغيرت تفضيلات شريحة كبيرة من المشترين المصريين، إذ يزداد الإقبال على القطع ذات المعنى والقصة المختلفة، والتي تمنح حاملها شعورا بالتفرد وكأنها مصممة له خصيصا. وفي الوقت ذاته تؤكد كلا من غالي وعبد الحميد أن عملائهم أصبحوا أكثر وعيا أثناء عملية الشراء، إذ يبحثون عن قطع ذات معنى لا تقتصر قيمتها على سعرها فحسب.

والسبب؟ علاقة المستهلك المصري بالذهب: يرتبط المصريون بالذهب ارتباطا عاطفيا وثقافيا كبيرا، إذ ينظر إليه باعتباره شكل من أشكال تأمين المستقبل. وتعد ثقافة شراء وادخار الذهب في مصر راسخة بما يتجاوز تقلبات الأسعار، إذ تشتريه الأسر بصرف النظر عن صعود الأسعار أو هبوطها، فالمتغير الوحيد في هذه المعادلة هو دافع الشراء لا غير، بحسب ما صرح به سامح الترجمان، الرئيس التنفيذي لشركة “إيفولف” للاستثمار القابضةلإنتربرايزسابقا. وعندما ترتفع الأسعار بسبب مخاوف التضخم أو ضغوط العملة الأجنبية، يندفع الناس للذهب حتى مع صعود السعر، خاصة مع مخاوف فقدان العملة قيمتها.

المزيد من التحول في سلوكيات المشترين: ومع التوقعات بزيادة أسعار الذهب في المستقبل، تزيد التوقعات بتحولات دائمة في كيفية تعامل المصريين مع المعدن النفيس. “أعتقد أننا سنشهد زيادة في شراء الذهب بشكل عام، والمعادن المختلفة مثل الفضة وعيارات الذهب الأقل مثل 14 بشكل خاص”، بحسب غالي، إذ توفر خيارات الذهب ذات العيارات المنخفضة أسعارا معقولة ومتانة أكبر، وهي مزايا قد تجذب المستهلكين المهتمين بالتكلفة والباحثين عن قطع مجوهرات عملية.

تأثيرات غير متوقعة: ساهمت زيادة أسعار الذهب في زيادة الإقبال على الفضة بالتوازي، وبشكل أكثر حدة، في الوقت الذي أدرك فيه المشترون أهمية الفضة لا كبديل عن الذهب، ولكن كمعدن نفيس واستثمار، حسبما ترى عبد الحميد. وقد شهدت الفضة ارتفاعات قياسية أكثر حدة، إذ تجاوز سعر الأوقية 114 دولارا هذا الأسبوع بعد أن قفز بنسبة 150% في 2025.

على خطى الأسواق العالمية: بدأت السوق المحلية تستوعب نمو العلامات التجارية الخاصة بالمجوهرات مثل عزة فهمي، وهي خطوة تؤمن غالي أنها تحاكي الأسواق العالمية. وبلغت قيمة سوق الأزياء والمجوهرات الفاخرة في مصر نحو 3.5 مليار دولار في 2024، وفقا لمؤسسة كين للأبحاث، وهي الزيادة التي جاءت مدفوعة بارتفاع الدخل المتاح لدى الفئة المستهدفة وتزايد الإقبال على السلع الفاخرة.

طموحات: يطمح قطاع المجوهرات المحلي إلى أهداف تتجاوز الاستهلاك الداخلي وتمتد إلى عالم تصدير المعادن النفيسة، إذ ارتفعت صادرات الذهب والمجوهرات بنسبة 157% خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، لتصل إلى 6.8 مليار دولار مقارنة بـ 2.6 مليار دولار في ذات الفترة من العام السابق. فيما يتوقع أن تتجاوز الصادرات 7 مليارات دولار بنهاية العام لتصل إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق، حسبما يرى رئيس شعبة صناعة الذهب إيهاب واصف. يأتي ذلك في ظل طموح القطاع المحلي إلى تحويل مصر إلى مركز إقليمي لإنتاج ليس فقط الذهب، بل المجوهرات الجاهزة.

العلامات: