القدرة على تحمل الأسعار، وتسعير الأراضي، ووزن رؤوس الأموال الأجنبية تهيمن على النقاش حول سوق العقارات في مصر بوصفه أصلا استثماريا، وسط تحذيرات من المطورين من أن الديناميكيات الحالية قد تُرسخ التضخم ومخاطر التعثر في التنفيذ داخل القطاع لسنوات مقبلة. وقد تصدرت هذه القضايا مؤتمر العقارات السنوي لغرفة التجارة الأمريكية في القاهرة أمس، خلال جلسة حول الاستثمار العقاري أدارها رئيس تحرير والرئيس التنفيذي لإنتربرايز باتريك فيتزباتريك. وجمعت الجلسة شريف الكيلاني، نائب وزير المالية للسياسات الضريبية، وحازم بدران، الرئيس التنفيذي المشارك والعضو المنتدب لشركة بالم هيلز للتعمير، وإبراهيم المسيري، الرئيس التنفيذي لشركة أبو سومة للتنمية السياحية، وتامر ناصر، الرئيس التنفيذي لشركة سيتي إيدج للتطوير العقاري. وأدار الجلسة باتريك، رئيس تحرير نشرتنا.

واتفق المشاركون على أن ضغوط القدرة على الشراء اشتدت في كلٍ من الإسكان الأولي والثانوي، مع ارتفاع الأسعار بوتيرة تفوق نمو الدخول بكثير. وبات الاختلال أكثر وضوحا مع صعود أسعار الوحدات السكنية إلى عشرات الملايين من الجنيهات. كما أسهم ارتفاع الطلب الأجنبي — الذي لم يعد مقتصرا على المصريين بالخارج، بل امتد ليشمل مشترين من الخليج وأوروبا — في توسيع قاعدة المستثمرين، لكنه في الوقت نفسه ضيق فرص الوصول أمام المصريين من الطبقة المتوسطة الباحثين عن سكن للاستخدام النهائي.

وبرز تسعير الأراضي بوصفه المحرك الهيكلي الأساسي. وقال بدران إن طريقة تسعير الأراضي وتخصيصها باتت اليوم تشكل التضخم عبر كامل القطاع. وأضاف: “لا ينبغي للحكومة والجهة التنظيمية أن تنظر إلى الأرض باعتبارها مركز ربح فقط. أيا كان سعر الأرض، سنبني عليه، وسيتبعه السوق كله”.

وربط بدران تضخم أسعار الأراضي بتحول أوسع على مستوى الاقتصاد الكلي. فخلال الأعوام الثلاثة إلى الأربعة الماضية، بات العقار — على حد قوله — المخزن الأساسي للقيمة في مصر، لا سيما بعد صدمة التضخم في أعقاب 2021. وذهب إلى أن مستحقات المطورين قد تكون اليوم أكبر من ودائع القطاع المصرفي للأفراد، ما يحول سياسة الأراضي إلى مسألة اقتصاد كلي وليس مجرد شأن عقاري.

وقد فاقمت مزادات الأراضي الأخيرة هذا الاختلال. إذ اجتذب أحد قطع الأراضي في القاهرة الجديدة، بمساحة تقارب مليوني متر مربع، عروضا من كبار المطورين، لكنه بيع في النهاية بسعر يقارب ضعف ما كان أكبر اللاعبين مستعدين لدفعه — إلى شركة بلا سجل سابق. وقال بدران: “لم يحدث الكثير هناك منذ ذلك الحين”، محذرا من أن الأراضي باتت تُخزَن (يجري تسقيعها) بدلا من تطويرها.

ويرى المشاركون في الجلسة أن تصحيح هذا المسار يتطلب مواءمة أوثق بين طرح الأراضي وقدرات المطورين. وقال بدران: “نحتاج إلى تنظيم يربط بين حجم الأراضي المطروحة وسجل المطور”، إلى جانب فحص مالي يضمن قدرة المطورين على خدمة التزامات الأراضي التي تمتد عادة بين ثماني وعشر سنوات. وأضاف أن تخصيص الأراضي يجب أن يتسق مع المخططات العمرانية وأهداف التنمية الوطنية.

كما أسهمت نماذج المشاركة في الإيرادات في تعميق الضغوط. وحدد المسيري خطا فاصلا واضحا لجدوى المشروعات، قائلا: “في القطاع السكني، لا ينبغي أن تتجاوز تكلفة الأرض 15% من سعر البيع”. إلا أن هذا السقف جرى تجاوزه مرارا؛ إذ ارتفعت نسب المشاركة في الإيرادات من نطاق 22%–27% قبل سنوات، إلى نحو 30%، ثم 35% العام الماضي، لتصل مؤخرا إلى 50% في بعض الصفقات.

وعند هذه المستويات، تنهار اقتصاديات المشروعات، حسبما حذر المسيري، موضحا أنه “إذا كنت تبيع بسعر 100 ألف جنيه للمتر المربع والدولة تحصل على 50%، فلن نستطيع تمويل خطط سداد لعشر سنوات، أو البناء، أو حتى تحقيق أي ربح”. وأضاف أن المطورين الذين يقبلون بهذه الشروط يرسخون خسائر مؤكدة، واصفا الوضع بأنه “تصادم قطار وشيك”.

وتعيد حدود القدرة على الشراء تشكيل الطلب بالفعل. وأشار المسيري إلى أن مشترين من الشريحة العليا للطبقة المتوسطة يبدأون في الخروج من السوق مع اقتراب الأسعار من 15 مليون جنيه. وقال: “إذا وصلنا إلى 7 ملايين جنيه نسميه السعر المثالي”، مضيفا أن هذا المنتج “لم يعد موجودا فعليا” ما لم تكن القيم مُخفَضة بشكل مصطنع. ومع استمرار ارتفاع تكاليف البناء واللوجستيات — إذ تمثل تكاليف النقل وحدها ما يصل إلى 60% من تكلفة المواد في بعض الحالات — يرى أن مجال تراجع الأسعار محدود.

وتبرز في المقابل موجة جديدة من “إعادة التحسين العمراني”، لا سيما في الساحل الشمالي، مع تكيف المشترين عبر المقايضة بين حداثة المشروعات والسعر، بحسب المسيري. إذ باتت المشروعات الأحدث تُسعر عند 15–20 مليون جنيه لوحدات مماثلة، بينما تُتداول المشروعات القريبة في “الساحل القديم” عند نحو 6 ملايين جنيه. وقال: “سيعود الناس، ويعيدون التشطيب، ويجعلونها في متناول اليد”، واصفا ذلك بصمام الضغط الداخلي للسوق.

كما يتغير التوزيع الجغرافي. وسلط ناصر الضوء على تنامي الاهتمام بالمناطق غير المركزية، بما في ذلك مجتمعات الدلتا وامتدادات أحدث مثل التجمعين السادس والسابع في القاهرة الجديدة. وتوفر هذه المناطق أسعار أراضٍ أقل وتبقى ضمن نطاق القوة الشرائية المحلية. وقال: “هناك إمكانات كبيرة هناك”، مشيرا إلى أن عددا محدودا نسبيا من المطورين الكبار دخلوا هذه الأسواق رغم وجود الطلب.

وعلى الطرف الأعلى من السوق، بات الطلب منفصلا بصورة متزايدة عن مستويات الدخل المحلية. وعزا بدران ذلك إلى المشترين الأجانب الذين استفادوا من الاستثمارات الكبيرة في الطرق وشبكات النقل والمطارات. وقال: “بحكم كوننا لاعبا بارزا في قطاع العقارات الفاخرة، نبيع للأجانب أكثر من أي وقت مضى”، مشيرا على وجه الخصوص إلى مشروعات الساحل الشمالي. وأضاف: “لدينا قصة مقنعة للغاية إذا واصلنا التركيز على الساحل الشمالي”.

هناك عوامل خارجية تصب أيضا في مصلحة مصر، بحسب بدران الذي قال: “أوروبا لا تمر بأفضل حالاتها لأسباب عديدة — والطقس، تحديدا لعملاء الخليج، أفضل لدينا”، في إشارة إلى اعتبارات المناخ ونمط الحياة. وتابع: “هناك تقارب ثقافي بين مصر ودول الخليج — اللغة، ونمط الحياة، وكل ذلك”.

وهذا التحول في الطلب يُعيد تشكيل مزيج المنتجات. وقال بدران: “لتلبية احتياجات هؤلاء العملاء نحتاج إلى منتجات لم تكن متاحة سابقا”. وتشمل هذه “منتجات توفر خدمات معينة، وإتاحة الوصول — سواء عبر شبكات الطرق أو قرب المطارات”. وأضاف أن المشترين الأجانب باتوا يبحثون بشكل متزايد عن أصول “يمكن أن تدر دخلا عندما لا تكون قيد الاستخدام”.

ويقود هؤلاء المشترون الطلب على الوحدات ذات العلامات التجارية والخدمات المرتبطة بالضيافة، وهي منتجات قادرة على توليد دخل عند عدم الاستخدام. كما تجذب مشروعات البحر الأحمر مشترين أوروبيين يقضون فصول الشتاء الطويلة. وقال بدران: “من الأرخص لألماني أن يقضي الشتاء في البحر الأحمر مقارنة بمنزله في ألمانيا”.

غير أن تملك الأجانب يصطدم بعقبات عند بدء التعامل الضريبي. فقد روى المسيري حالات لمُلاك أوروبيين في سوما باي طُلب منهم سداد ضرائب عقارية بأثر رجعي يعود إلى عام 2013، ليكتشفوا أنهم لا يستطيعون السداد إلكترونيا، ولا استخدام بطاقات ائتمان أجنبية، وغالبا لا يمكنهم فتح حسابات مصرفية محلية. وكانت النتيجة دعاوى قضائية بسبب التعثر، رغم محاولات الامتثال.

“إذا كان من الصعب على المصريين سداد الضريبة العقارية، فماذا عن الأجانب؟”، وفق ما قاله الكيلاني، مُقرا بوجود هذه الاحتكاكات ومشيرا إلى جهود تبسيط أنظمة السداد من خلال منصة إلكترونية سيجري إطلاقها قريبا. وأضاف أن الوزارة ستنسق مع البنك المركزي لحل مشكلة قبول البطاقات الأجنبية.

“سنقوم بإعفاء الغرامات لفترة من الوقت”، حسبما أعلن الكيلاني، موضحا أن الغرامات ستُحدَد بسقف 100% من أصل الضريبة — أي إن فاتورة ضريبية قدرها 20 جنيها، على سبيل المثال، لن تتراكم عليها غرامات تتجاوز 20 جنيها.

وكشفت العقارات المرتبطة بالسياحة فجوة أعمق في السياسات. فقد قارن المسيري بين نحو 300 ألف غرفة فندقية أُنشئت قبل 2011، وأقل من 10 آلاف غرفة أُضيفت منذ ذلك الحين، معتبرا أن الفارق تقوده السياسات لا شهية المستثمرين. وقال: “كانت لدى الحكومة سياسة خلال الفترة من 1990 إلى 2010 لتقديم حوافز لمشروعات السياحة، وهو ما ارتبط مباشرة بتطوير ما يقرب من 300 ألف غرفة فندقية”.

وأوضح المسيري أن إنشاء فندق يتكلف عادة بين 60 و100 مليون دولار، وأن المشروعات تحتاج إلى سبع إلى عشر سنوات قبل بلوغ “الدورة الثانية” التي تتطلب إعادة استثمار يصل إلى 50% من التكلفة الأصلية، ما يرفع إجمالي رأس المال إلى نحو 150 مليون دولار قبل تحقيق عوائد ملموسة.

فرض ضرائب باهظة على المشاريع قبل تلك النقطة يجعلها غير قابلة للتمويل البنكي، حسبما قال المسيري. وكانت حزم الحوافز السابقة — بما في ذلك الأراضي منخفضة الأسعار، والإعفاءات الضريبية، والإعفاءات الجمركية — مفيدة في توسيع القدرة الاستيعابية. ومن دونها، يتوقف الاستثمار، حتى في الوقت الذي تستهدف فيه مصر جذب 30-40 مليون سائح سنويا.

وحذر المسيري من أن نموذج “إير بي إن بي” لا يمكن أن يحل محل الاستثمار الفندقي المنظم. وقال: “إذا كان مضاعفة عدد الغرف الفندقية مشروعا وطنيا، فلنعد إلى الدليل”، مؤكدا أن رأس المال متوافر، لكن مواءمة السياسات تظل عنق الزجاجة.