✈️ السفر كمساحة لاكتشاف الذات: في عصر تتنافس فيه وكالات السفر التقليدية مع نظيراتها الإلكترونية، وفي ظل معادلة صعبة انضم إليها عنصر الذكاء الاصطناعي ليزيدها تعقيدا، استطاعت شركة “ترينك جلوبال” المحلية ترسيخ مكانتها في السوق المصرية للسفر، وبنت على الزخم العالمي المتزايد والاهتمام الملحوظ برحلات السفر الجماعية وأنشطة الاستجمام (الريتريت). تأسست الشركة على يد الصديقتين سارة أبو يوسف وأميرة خليل، وترتكز على فلسفة مفادها أن السفر يجب أن يكون تجربة حقيقية وملهمة تساعد المرء على اكتشاف ذاته.

البداية

بدأت فكرة “ترينك” في أوائل عام 2019 خلال رحلة خاضتها الصديقتان إلى سريلانكا. “لطالما أحببت السفر أنا وأميرة إلى وجهات غير مألوفة، لكننا أدركنا أن هذا لم يكن حال معظم النساء اللاتي نعرفهن، خاصة وبعضهن كن يسافرن بمفردهن للمرة الأولى. ولاحظنا أيضا كيف أثرت هذه التجربة بالإيجاب عليهن”، حسبما قالت أبو يوسف لإنتربرايز.

توطدت العلاقة بينهما خلال إقامة طويلة في سريلانكا، وقررتا تحويل شغفهما بالتخطيط والاستكشاف إلى مشروع سياحي يعنى بالسفر القائم على التجارب وتمكين المرأة. ورغم وجود شركات رائدة في هذا المجال، مثل شركة جازف التي يملكها عمر سمرة، إلا أنها كانت تستهدف فئة أصغر سنا من المسافرين المغامرين.

في نوفمبر 2019، أطلقت “ترينك” — والتي تجمع حروفها بين كلمتي “ترافل” و”ثينك” بالإنجليزية — أول رحلة جماعية لها إلى بالي. لم تكد تخطو الشركة أولى خطواتها حتى حلت جائحة كوفيد-19 في مارس 2020 وأجبرت جميع سكان الأرض على المكوث في منازلهم. ومع أن التحدي كان كبيرا، إلا أن أبو يوسف تيقنت أن ما حدث كان في صالحهم. حولت “ترينك” تركيزها إلى السوق المحلية، ووجدت طلبا ضخما على المنتجعات المحلية، ونظمت الشركة رحلات ريتريت للاسترخاء واليوجا وممارسة الفنون في أماكن مثل سيدي حنيش على الساحل الشمالي وسيوة والنوبة والفيوم.

تجربة شخصية مخصصة

تعتمد الشركة على مسارين رئيسيين: برامج رحلات مخصصة ورحلات جماعية معدة سابقا، إلى جانب الفعاليات الترفيهية. عبر خدمة تخصيص الرحلات، تقدم الشركة تجربة معدة بدقة للمجموعات الصغيرة والعائلات والأزواج في شهر العسل، إذ تراعى أدق التفاصيل بداية من الطراز المعماري للمكان المنشود وصولا إلى وجهات الغداء اليومية، بما يتناسب مع شخصيات المسافرين.

تتميز “ترينك” بتركيزها على التجارب الشخصية المباشرة. فهي لا ترسل عملاءها أبدا إلى وجهات جديدة لم تجربها الشركة من قبل، بل وتحرص أبو يوسف وخليل على التواجد دائما — معا أو إحداهما — في كل رحلة جماعية أو فعالية ترفيهية. يتضمن هذا الالتزام بحثا معمقا وتجارب شخصية مع الموردين المحليين ومواكبة لأحدث الأماكن والمطاعم.

“السفر عليك والتفكير علينا”

بفضل الخلفية الأكاديمية لخليل التي درست نظم المعلومات، ونهجها القائم على الاعتماد على الذات، أطلقت بالتعاون مع أبو يوسف موقع الشركة الإلكترونى الخاص، ونجحتا في جذب أول 8 آلاف متابع عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالاعتماد على موارد الشركة الداخلية دون الاستعانة بأحد من الخارج.

تتأكد خليل وأبو يوسف من ملاءمة كل رحلة للأفراد المشاركين فيها، سواء من ناحية التفضيلات أو الراحة. كما تستهدف كل رحلة تقدمانها فئة النساء في الأربعينات والخمسينات من العمر مع التركيز على تلبية اهتماماتهم وتفضيلاتهم. ورغم أن نسبة كبيرة تتراوح بين 90-95% من مسافري “ترينك” من النساء، إلا أن الشركة لا تستبعد الرجال تماما.

من أهم التحديات التي تواجه نموذج عمل “ترينك” هو الحفاظ على انسجام المجموعة. تبدأ كل رحلة جماعية بعملية تسجيل مفصلة، ومذكرة تعريفية مكتوبة لضمان فهم المسافرين لطبيعة الرحلة، سواء أكانت تتضمن إقامة في نزل معين أو أنشطة مختلفة وغيرها.

التحديات الاقتصادية والذكاء الاصطناعي

أثر تعويم الجنيه في عام 2022 بشدة على الشركة. ارتفاع التكاليف — مثل أسعار تذاكر الطيران التي تضاعفت تقريبا، وقيود بطاقات الائتمان على العملات الأجنبية — حول عملية الحجز والتخطيط للسفر إلى كابوس لا يطاق بالنسبة للمسافرين. ولحسن الحظ استطاعت “ترينك” أن تستغل هذه التحديات لصالحها، فمع زيادة الصعوبات التي وجدها الأفراد في حجز الرحلات والفنادق، برزت الحاجة الملحة إلى الاستعانة بشركات السفر لتولي الجانب اللوجستي والتخطيط.

زخم الذكاء الاصطناعي واقتحامه عالم السفر لا يشكل تهديدا مقلقا، حسبما ترى أبو يوسف. فبينما تقر بأن أدوات الذكاء الاصطناعي في النهاية ستسهل من إجراء المهام الروتينية مثل الحجز والتأشيرات وغيرها، إلا أنها لن تحل محل العنصر البشري في التجارب الجماعية. “كلما زاد اعتمادنا على الذكاء الاصطناعي، ازداد شغف الناس بالتواصل”، وفقا لما أضافته.

كيف يبدو المستقبل؟

تطلق “ترينك” حاليا ما بين 12 و18 رحلة سنويا إلى وجهات سياحية شهيرة مثل بالي وفيتنام وعمان وتحديدا صلالة، وهي الوجهات الثلاث الأكثر رواجا مؤخرا. كما تقدم الشركة رحلات جماعية وبرامج استجمام إلى وجهات أخرى مثل جنوب أفريقيا وتنزانيا وفيتنام وكمبوديا والمكسيك والهند وغيرها.

تخطط الشركة للتوسع لتشمل وجهات جديدة مثل كينيا وبيرو خلال العام الجاري. وتستهدف الشركة عادة إضافة وجهتين جديدتين كل عام، فمثلا في 2025 أضافت أوزباكستان واليابان إلى قائمة وجهاتها كنتيجة للإقبال عليها، بحسب أبو يوسف. وتسعى الرائدتان إلى تجاوز السوق المصرية لبناء مجتمع عالمي من المسافرين من جنسيات مختلفة. وقد بدأتا بالفعل في استقطاب السوق السعودية من خلال تنظيم برامج ريتريت بالتعاون مع مدربين سعوديين يصطحبون معهم عملائهم.