💼 ليست القيادة موهبة فطرية يولد بها الجميع، بل هي مهارة تقويها الممارسة ويدعمها الوقت وتصقلها التجربة والخطأ. وفي هذه السلسلة القصيرة الجديدة من نشرة إنتربرايز المسائية، نسأل أبرز اللاعبين في الصناعة عما يجعل من القائد العادي نموذجا عظيما. ويتحدث إلينا هذا الأسبوع كريم أبو جمرة، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لوكالة بيس كيك الرائدة في مجال صناعة المحتوى بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

إنتربرايز: بصفتك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة بيس كيك منذ فترة ليست بالقصيرة، ما هو الشيء الذي تمنيت لو عرفته في وقت مبكر؟

أبو جمرة: ما تمنيت معرفته في وقت مبكر هو أهمية تحديد الأدوار والمسؤوليات بوضوح، فعندما ينضم الموظفون إلى العمل، يكون لديهم الحماس للمساهمة في نمو الشركة وتحقيق رؤيتها. غياب الحدود الواضحة بين مهام كل شخص يؤدي في كثير من الأحيان إلى تداخل المسؤوليات، وهو ما قد يشعر الموظف بالإحباط تجاه عمله، فلديهم طموح كبير لكنهم لا يرون ثمار عملهم تتحقق بالشكل الذي يطمحون إليه.

إنتربرايز: إلى أي مدى يعد التعاطف سمة قيادية مهمة؟

أبو جمرة: في مجال عملنا، نحن نبني أشخاصا لا منتجات. الاستثمارات التي نضخها لتطوير رواة قصص وفنانين ومحررين ومصممين تجعل من التعاطف أداة ضرورية، ليس فقط للتعامل مع اللحظات الصعبة، بل لتحفيز الموظفين على تقديم أفضل ما لديهم.

والتعاطف استثمار لا غنى عنه، وبمجرد اعتماده، نراه ينتقل من القادة إلى صغار الموظفين لاحقا، فهم يتذكرون جيدا كيف تصرف القائد في المواقف العصيبة وكيف تعامل مع تأخر تسليم المهام وهكذا.

إنتربرايز: ذكرت أنك تمنح موظفيك الثقة دائما، فهل يعني هذا أن أسلوبك القيادي يميل إلى الديمقراطية، حيث تترك للجميع حرية التصرف وتكتفي بدور التوجيه؟

أبو جمرة: لا أقول إنه ديمقراطي بالضرورة، لأن هذا لا ينجح في كل الأنظمة. فوجود عدد كبير من صناع القرار في غرفة واحدة دون خطوط واضحة للمسؤولية ليس أمرا إيجابيا. لقد ابتعدت عن الإدارة التفصيلية التي كنت أتبعها في السنوات الأولى، حين كنت أحاول التدخل في كل شيء من الشؤون المالية إلى العمليات. أدركت حينها أن عدم قدرة الموظفين على التعامل مع الأمور بمفردهم يمثل مشكلة في كيفية تطويري للنظام الإداري.

إنتربرايز: كيف تدير التواصل داخل بيس كيك؟

أبو جمرة: من أصعب الأمور التي قد يحققها القائد هي جعل الأحاديث الصعبة أمرا اعتياديا. تجنب هذه المحادثات يثقل كاهل العمل ويبطئ وتيرته. الهدف دائما هو إيجاد وسيلة لجعل هذه المحادثات أقل حدة. سواء كان هناك نقص في الألفة داخل الفريق أو خلل في التواصل، يجب السعي لخلق مساحة لا تدفن فيها المشكلات.

إنتربرايز: هل تعتبر التواصل المفتوح وسيلة لاستباق النزاعات داخل الفريق؟

أبو جمرة: دائما ما أقول إن مكتبي مفتوح للجميع، لكنني تعلمت أن الأمر لا يتوقف عند ذلك، بل أحرص على الجلوس في مناطق مختلفة بالمكتب. هذا يكسر حاجز الهرمية الوظيفية التقليدية. آخر ما يتمناه أي رئيس تنفيذي هو العيش في كهف لا يسمع فيه إلا ما يحب سماعه.

إنتربرايز: كيف تحل النزاعات داخل فريقك؟

أبو جمرة: أتبع نهجا مباشرا يعتمد على الاستماع بتركيز شديد، فمن الأهمية بمكان أن يشعر كل فرد في الشركة بأنه مسموع. أقدر دائما شجاعة الموظف في التحدث عن مشكلته، ويجب تأكيد ذلك بغض النظر عن طريقة حل المشكلة أو من هو المخطئ. يجب أن نحتفي بكونه مسموعا وموجودا معنا في ذات القارب.

بعد ذلك، يكون السؤال: “كيف يبدو الحل المناسب لهذه المشكلة من وجهة نظرك؟”. سواء كان النزاع شخصيا، أو مشكلة في نظام العمل، أو ضغطا ناتجا عن التعامل مع عميل ما. غالبا ما يقع المدير أو القائد في دور أبوي يريد إصلاح كل شيء، لكن طريقتي في الإصلاح قد لا تتوافق مع ما يريدونه. لذا هي فرصة لي لأسمع منهم ما هو الحل.

إنتربرايز: في مجال عملك، كيف تضمن مواكبة فريقك للتغيرات المستقبلية باستمرار بدلا من الاعتماد على نجاحات الماضي؟

أبو جمرة: مواكبة المستقبل جزء أصيل من عملنا. يجب أن نكون دائما متقدمين بخطوة عما يحدث. في مجال المحتوى، إذا كان هناك شيء ناجح اليوم، فليس هناك ضمان لنجاحه غدا. جزء كبير من عملنا يعتمد على استباق الاتجاهات، والأهم من ذلك، تجربة قوالب جديدة باستمرار قبل أن تصبح الطرق القديمة مستهلكة. هذا بالإضافة إلى الاستهلاك الهائل للمحتوى، فالجميع في بيس كيك يتابعون المحتوى باستمرار، سواء كان قصيرا أو طويلا، ويتبادلون الرؤى والأفكار حوله.

إنتربرايز: تضم بيس كيك بيئة عمل متنوعة من المبدعين من مختلف الأعمار، كيف تدير هذه الأجيال المختلفة؟

أبو جمرة: لدينا فئتان عمريتان في الشركة التي تضم حاليا نحو 56 موظفا. هناك من تتجاوز أعمارهم 30 عاما، وهؤلاء لديهم خبرات سابقة، وتعاملوا مع مدراء صارمين واعتادوا العمل بمواعيد الحضور والانصراف. وهناك الجيل الأصغر، في سن 25 عاما تقريبا، والذين يمتلكون الطموح والحماس لكنهم لم يعتادوا بعد على فكرة تقديم التقارير أو الالتزام بأهداف محددة. السر يكمن في كسب ثقتهم وتحديهم لتحقيق نتائج أفضل، وتشجيعهم على مشاركة الأفكار ومناقشتها بدلا من فرض رأي واحد.

إنتربرايز: ثقافة العمل من أهم الجوانب في أي شركة، وأنتم تبدون كفريق يستمتع بوقته كثيرا، كيف تحققون ذلك؟

أبو جمرة: بيئتنا مصممة لتكون مرحة بهدف إطلاق العنان للإبداع. إذا كان هناك توتر في المكان، فلن يكون العصف الذهني ممتعا. ليس بالضرورة أن يكون الأمر مضحكا طوال الوقت، لكن يجب أن يكون منفتحا وإيجابيا. نعتمد الوضوح والذكاء، لكنني أحيانا ألقي مزحة أو أقول شيئا تافها فقط لأكسر الجمود وأذكرهم أن هذا تفاعل إنساني طبيعي.

إذا سألت أي شخص في المكتب عن عدد ساعات عمله، أو مدى إرهاق العمل، فستجد أنه مجهد للغاية. لذا يجب تقديم هذا العمل في إطار يجعلك لا تكره وظيفتك. لا يمكن لأحد أن يعيش هكذا، ولا أريد لأي شخص أن يعمل في مثل هذه الظروف.

إنتربرايز: في رأيك، ما هو الفرق بين القائد الجيد والقائد العظيم؟

أبو جمرة: أظن أنه يكمن في القدرة على الاستماع والتخلي عن السيطرة. من أصعب الأمور التي واجهتها خلال فترتنا الانتقالية هو التمييز بين منح الموظفين مساحة من الحرية وبين إخضاعهم للمساءلة. تعلمت أن القيادة القائمة على الثقة أولا ثم تعليم المساءلة تختلف عن فرض المساءلة منذ اليوم الأول.

يبرز هذا الأمر خاصة إذا كان العمل يمتد لفترات طويلة وليس مجرد مشاريع مؤقتة. الفرق بين مدير المشروع والرئيس التنفيذي هو أن مهمة الأخير ضمان استمرار عمل “الآلة” بكفاءة، بغض النظر عن عدد المشاريع أو مدتها. لذا أطمح دائما لاتباع نهج “القيادة بالثقة وتعليم المسؤولية”، فعندما تعين شخصا ما، تمنحه المساحة والأدوات وتوضح له معايير النجاح، وعليه هو أن يسعى لإثبات جدارته.