? في قلب وسط البلد، وبالتحديد في أحد الممرات الجانبية القريبة من سينما راديو، تقع ساحة روابط للفنون. ما كان سابقا موقف سيارات متواضع ومتهالك، أصبح اليوم بمثابة القلب النابض لمشهد المسرح المستقل والإبداع في القاهرة. في عدد اليوم من "بعد الخامسة"، قابلنا رائد المسرح المستقل محليا أحمد العطار، مؤسس شركة أورينت برودكشنز والتي تدير ساحة روابط وستوديو عماد الدين وفعاليات مثل مهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة (دي كاف). كما حاورنا عدد من شركات الإنتاج الرائدة محليا وهي كينوما وستيدج ليفت برودكشنز، لنلقي نظرة على أحوال الساحة الإبداعية محليا ومستقبلها.
البداية -
في الستينيات والسبعينيات، شهدت مصر ازدهارا ملحوظا في المشهد المسرحي المحلي، وتألق كتاب عمالقة مثل توفيق الحكيم ويوسف إدريس، الذين أبدعوا أعمالا أصلية تناولت قضايا اجتماعية وسياسية مهمة. وبحلول الوقت الذي تخرج فيه العطار في الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1992، كانت الثقافة المسرحية المصرية تعاني من تراجع ملحوظ وسريع. "لم يكن لدينا تمويل ولا مكان للعمل ولا مكان لعرض أعمالنا. كل ما كنا نعرفه هو أننا نريد أن نبدع. عندما تتعرض لمثل هذا الضغط، ستصبح مجبرا على الابتكار والبحث عن طرق بديلة".
وللتكيف مع الوضع، ظهرت فكرة المسرح البديل في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات. ففي الوقت الذي كان فيه المسرح الحكومي مثقلا بالبيروقراطية المعقدة ورواتب الممثلين والفنيين الذين يعملون بعقود دائمة، كان القطاع الخاص التجاري يحركه عامل الربح والانتشار بأي ثمن. وهو ما شتت المبدعين الحقيقيين واجبرهم على التفكير في خلق مساحة بديلة تناسبهم. "سعينا إلى سد الفراغ الذي خلفته المؤسسات الحكومية التي غالبا ما تفشل في جذب الجماهير المعاصرة، موفرين مساحة للإبداع الفني والاجتماعي"، بحسب العطار.
بداية المسرح المستقل -
كان لدى العطار العناصر الأساسية للنجاح، فقد تمتع بروح المبادرة واستطاع توظيف مهاراته الشخصية مثل إتقانه أكثر من لغة، والاستفادة كذلك من مصادر التمويل والمنح المتاحة عبر المراكز الثقافية الأجنبية والسفارات ومؤسسات مثل مؤسسة فورد. في عام 1999، حصل على تمويل من السفارة الهولندية لإنتاج مسرحيته الأولى. واليوم، يعد العطار من رواد القطاع الذين يجيدون التواصل مع كل من الفنانين المحليين المستقلين والدبلوماسيين والداعمين الدوليين، ما مكن مشاريعه من الاستمرار ماليا رغم الأزمات الاقتصادية.
اعتمد المسرح المستقل على التمويل بدلا من مبيعات التذاكر لما يقرب من عقدين كاملين: "كان من الواضح أن هذا الوضع غير مستدام، فالقاعدة الأولى فيما يتعلق بمنح الفنون هي أن التمويل يأتي عليه وقت وينفد". وبدون رفاهية التمويل، بدأت فرق المسرح المستقلة تعمل ككيانات تجارية مسجلة ومن هنا جاء الاعتماد على مبيعات التذاكر. ومع وجود وجهات مثل روابط ومسرح الفلكي، أصبح منتجو المسارح المستقلون حاليا أكثر قدرة على تغطية التكاليف أو حتى تحقيق بعض الأرباح.
وفي 2021، افتتحت ساحة روابط للفنون بعد تطويرها، بإدارة جديدة من شركة الإسماعيلية العقارية وأورينت برودكشنز. مقابل رسوم ثابتة قدرها 12000 جنيه لليلة الواحدة، يمكن للفنانين استخدام المسرح الذي يتسع لـ 150 متفرج والاستفادة من جميع مرافقه، بما فيها المعدات والموظفين وشباك التذاكر والكافيتريا. ويقرر الفنانون أسعار تذاكر عروضهم، ولكنها عادة ما تتراوح بين 250 و450 جنيه. وقد حقق هذا النموذج نجاحا باهرا، إذ تعمل ساحة روابط بنسبة إشغال تقارب 85%، وعادة ما تحجز مسبقا قبل العرض بـ 6 إلى 8 أشهر.
جيل جديد من المبدعين -
برز جيل جديد من رواد الإنتاج المسرحي يبشر بمستقبل أكثر قوة وحضورا. فكما كانت شركة العطار هي حجر الأساس لهذا المشهد، ظهرت أسماء مثل كينوما وستيدج ليفت. تأسست كينوما عام 2018 على يد مصطفى خليل وأحمد عصام الشماع، وتركز على تقديم اقتباسات مصرية لأعمال كلاسيكية عالمية مثل مسرحية المورستان المقتبسة من رواية الكاتب الأمريكي كين كيسي One Flew Over the Cuckoo’s Nest والتي عرضت مؤخرا ونالت استحسان وردود فعل إيجابية، لدرجة التفكير في عرضها مجددا خلال الربيع.
يتولى الشماع، وهو مدير المحتوى في الشركة، ترجمة المسرحيات إلى العربية ثم إعادة صياغتها بنكهة مصرية ووضعها في سياق محلي لجذب جمهور أوسع. "أريد أن تكون أعمالنا ممتعة ومثيرة للتفكير في وقت واحد. نريد أن نتحدى الصورة النمطية السائدة بأن الفن الراقي ممل"، حسبما قال المؤسس والمدير الفني خليل. "من النادر للغاية أن يستمر عرض مسرحي مستقل لثماني ليال في مصر، لكننا نحتاج إلى عروض أطول لجعل الإنتاجات أكثر جدوى اقتصاديا"، بحسب ما أضاف. وتكمن المشكلة في صعوبة التنبؤ بنجاح أي مسرحية قبل عرضها، ولهذا السبب تتردد الشركات في حجز المسارح لفترات طويلة قبل اختبار مدى نجاح أعمالهم.
وضعت شركة ستيج ليفت برودكشنز، بقيادة المخرج الإبداعي محمود سيد، نفسها في مكانة مميزة بفضل الأعمال التجريبية من فئة الإثارة النفسية. تعد مسرحيات مثل "أوضة نومي" و"أوضة نومي 2" محاولات جريئة لاستكشاف الطبيعة البشرية، إذ تتناول مواضيع كانت تعتبر من المحرمات على المسرح المصري. يعامل سيد كل عمل بروح الفنان، وهذا سر نجاح مسرحياته. ويمثل اختياره تقديم مسرحيات أوضة نومي داخل غرفة نوم حقيقية في شقة بوسط البلد دليلا على التفكير خارج الصندوق، إذ يتوزع المتفرجون حول الممثلين، ما يمنحهم شعورا فريدا بالتواجد داخل قلب الحدث بل وحتى التفاعل معه. "نحن مهتمون باستخدام مواقع غير تقليدية لعرض المسرحيات، وهذا أصعب من الوصول إلى المسارح العادية"، بحسب سيد.
فجوة التمويل والاستمرارية -
لتحقيق الاستدامة والنمو خلال 2026، على الشركات الابتعاد عن نموذج الإنتاج المؤقت. الطموح هنا يعادله الاستمرارية والتوسع التوسع، إذ تتطلع شركات كينوما وستيج ليفت إلى تقديم عروضهم على مدى أشهر طويلة، رغم أن توفير المزيد من المسارح وساحات العرض لا يزال أحد أكبر تحديات القطاع.
المستقبل يكمن أيضا في إضفاء الطابع الاحترافي على المشهد الفني المستقل والعمل على تطوير القطاع ككل، حسبما يرى العطار. "أعتقد أننا، نحن الذين نمارس هذا العمل منذ فترة، نتحمل مسؤولية مساعدة الآخرين". ومن خلال مبادرات مثل مهرجان دي كاف وكايرو أرتس تك الذي يمثل أول برنامج تدريبي احترافي باللغة العربية لفنيي المسرح، تعمل أورينت على تقديم الدعم الراسخ الذي يمكن الجيل القادم من رواد الأعمال المبدعين من الصعود على خشبة المسرح وتحويل إبداعاتهم إلى حقيقة.