تعتزم مصر خفض عدد شحنات الغاز الطبيعي المسال المتعاقد عليها لشهر يناير من الموردين التجاريين بأكثر من 50%، لتصل إلى ست أو سبع شحنات فقط، مقارنة بـ 14 إلى 16 شحنة في يناير من العام الماضي، وفق ما صرح به مصدر حكومي لإنتربرايز. وتأتي هذه الخطوة وسط توفر مخزون استراتيجي كافٍ وتراجع الطلب المحلي بالتزامن مع فصل الشتاء.
مرونة تعاقدية: تستفيد مصر من بند "المرونة" (±10%) في عقودها مع الموردين الأجانب، مما يسمح لها بتأجيل أو إعادة الشحنات غير الضرورية دون تكبد غرامات باهظة، بحسب ما ذكره المصدر. ومن المتوقع أن تعود التدفقات إلى معدلاتها الطبيعية بحلول مارس، ولكن مع تركيز أكبر على سد الفجوات الفعلية فحسب.
وفي الوقت ذاته، تسعى الحكومة إلى تنويع مصادر الاستيراد من خلال شراكة استراتيجية جديدة مع الدوحة. ووقع وزير البترول كريمبدوي ونظيره القطري سعد بن شريدة الكعبي مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون في مبيعات وواردات الغاز الطبيعي المسال أمس في العاصمة القطرية.
التفاصيل: كجزء من الاتفاقية الموقعة، اتفقت الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس) مع شركة قطر للطاقة على توريد ما يصل إلى 24 شحنة من الغاز الطبيعي المسال إلى مصر خلال صيف 2026، على أن تُسلم في مينائي العين السخنة ودمياط. واتفق الطرفان أيضا على بدء مناقشات بشأن اتفاقية توريد طويلة الأجل. وتخطط قطر للطاقة، التي تمتلك حاليا حصصا في ستة امتيازات بحرية بمصر، لحفر عدد من الآبار الاستكشافية وضخ استثمارات جديدة في قطاع الطاقة المصري على مدى السنوات الخمس المقبلة.
في العموم، تعد هذه أخبارا جيدة إذا كنت قلقا بشأن المشكلتين المزدوجتين: أزمة انقطاع التيار الكهربائي (بسبب نقص الإمدادات) والتكلفة الباهظة للواردات على الدولة. وعملت الحكومة على مدار العام الماضي على التحول من "نمط الطوارئ" وإعادة بناء إمدادات طويلة الأجل من الغاز الطبيعي بدلا من السعي لتأمين شحنات فورية.
وسيؤدي خفض الشحنات وتأمين إمدادات جديدة من قطر بعقود طويلة الأجل إلى توفير مئات الملايين من الدولارات، كما يعكس ثقة صناع السياسات في استقرار التدفقات من خط غاز شرق المتوسط (بموجب الاتفاق الذي أقرته الحكومة الإسرائيلية الشهر الماضي)، بالإضافة إلى ارتفاع وتيرة الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي.
أين تكمن المشكلة من الأساس؟
محاولة التعويض: يعد التباطؤ الحالي في أنشطة البحث والاستكشاف نتيجة مباشرة لدورة من نقص الاستثمارات استمرت عدة سنوات بسبب أزمة العملة الأجنبية. وكانت الحكومة قد أعطت الأولوية لتأمين واردات الوقود الفورية على حساب سداد مستحقات شركات الطاقة العالمية، مما أدى إلى تراكم المستحقات المتأخرة لتصل إلى ذروتها عند 4.5 مليار دولار بحلول أوائل عام 2024. ودفع ذلك شركات كبرى مثل إيني وبي بي إلى تقليص برامج الحفر والتنمية، مما تسبب في انخفاض إنتاج الغاز الطبيعي إلى أدنى مستوى له في سبع سنوات. ورغم أن الحكومة سددت غالبية هذه المستحقات منذ ذلك الحين — سددت أكثر من 5.5 مليار دولار منذ يونيو 2024 — إلا أن الفارق الزمني بين ضخ رأس المال وبدء الإنتاج الجديد جعل مصر مستوردا صافيا للغاز المسال.
استشكافات جديدة في الطريق
يبدو أن الحوافز التي أطلقتها وزارة البترول مؤخرا بدأت تؤتي ثمارها، إذ أكد المصدر أن شركات كبرى مثل شل وبي بي وإيني بدأت بالفعل في ضخ استثمارات جديدة بناء على نتائج المسوحات السيزمية الأخيرة. وتخطط الحكومة لتمديد تراخيص الحفر لنحو 480 بئرا استكشافية على مدى السنوات الخمس المقبلة، باستثمارات تقدر بنحو 5.7 مليار دولار، وهو ما يعزز هدف الحكومة بخفض إجمالي الواردات بنسبة 30% بحلول عام 2026. ومن المتوقع أن تضيف هذه الجهود ما بين 1-1.5 مليار قدم مكعبة يوميا من الغاز الطبيعي إلى الإنتاج المحلي.
المزيد في الطريق: تخطط وزارة البترول لطرح 10 مزايدات جديدة للبحث والتنقيب، وفقا للمصدر، الذي نوه إلى بدء المرحلة الأولى من مسح سيزمي واسع النطاق للبحر المتوسط قريبا.
مركز إقليمي للطاقة؟
الاتفاق على توريد الغاز إلى لبنان عبر الأردن واستخدام وحدات التغويز في ميناء العقبة سيعزز دور مصر كمزود للخدمات اللوجستية في قطاع الطاقة، حسبما أخبرنا المصدر. وستحصل مصر على "عمولة تغويز" مقابل إدارة هذه التدفقات للدول المجاورة، وهو سعر تنافسي يضع مصر في مصاف موردي الغاز الإقليميين.
والسوق في صالح مصر: بفضل سداد المستحقات المتأخرة، يتنافس الموردون الآن لتقديم عروض لمصر بأسعار تقل بنحو دولارين لكل مليون وحدة حرارية بريطانية مقارنة بالعام الماضي، وفقا للمصدر.