ظاهريا، كان 2025 عاما قياسيا للبورصة المصرية — إذ قفز المؤشر الرئيسي EGX30 بنحو 40%، صاعدا من مستوى 32 ألف نقطة في مارس، ليغلق عند 41.8 ألف نقطة بنهاية العام، مقتربا من أعلى مستوى له على الإطلاق. ولحق السوق الأوسع بهذا الاتجاه الصعودي، لترتفع القيمة السوقية بنسبة 33% وتكسر حاجز الـ 3 تريليونات جنيه بنهاية العام، مقارنة بـ 2.25 تريليون جنيه في الربع الأول. واعتمدنا في تجميع هذه البيانات على التقارير الدورية للبورصة، إذ أن التقرير السنوي الرسمي لم يصدر بعد.

وبينما تشير البيانات الرئيسية إلى سوق صاعدة، تكشف نظرة أعمق أن هذا لم يكن ازدهارا واسع النطاق مدفوعا بتفاؤل أساسي. بدلا من ذلك، يبدو أن هذا الصعود كان بمثابة عملية ضخمة لنقل الأصول عملت عليها المؤسسات المحلية بشكل كبير سعيا للتحوط ضد تقلبات العملة والتضخم.

الدعم المؤسسي كان السمة المميزة للعام

بينما ارتفعت المؤشرات الرئيسية، كان العامل المحرك لهذا الصعود فئة واحدة تقريبا: المؤسسات المحلية. سجلت المؤسسات الأجنبية والإقليمية صافي بيع في كل ربع تقريبا — باستثناء الربع الأول الذي سجل كبرى المؤسسات الإقليمية خلاله صافي شراء — إذ تخارجت من أسهم مدرجة تناهز قيمتها 20 مليار جنيه على مدار العام، باستثناء الصفقات ذات الحجم الكبير. واستغل المستثمرون الأفراد المحليون — الذين غالبا ما يكون هدفهم الرئيسي التحوط ضد التضخم — هذا الصعود للبيع أيضا، إذ سجلوا صافي بيع بقيمة 8.2 مليار جنيه، باستثناء الصفقات ذات الحجم الكبير. وكانت الصناديق المحلية والجهات المرتبطة بالدولة هي الركيزة الوحيدة لدعم السوق، حيث رفعت صافي مشترياتها من 2.3 مليار جنيه في الربع الأول إلى رقم ضخم بلغ 11.2 مليار جنيه في الربع الرابع — باستثناء الصفقات ذات الحجم الكبير. السوق انفصل فعليا عن المعنويات الأجنبية، ليصبح حلقة مفرغة من السيولة المحلية.

السيولة لم ترفع جميع الأسهم بالقدر ذاته

خلال الأرباع الثلاثة الأولى، انحازت السيولة بشكل كبير لـ “تداولات التضخم” — وتحديدا العقارات والخدمات المالية غير المصرفية، التي تصدرت قيم التداول باستمرار، إذ بحث المستثمرون عن عوائد وتحوطات مدعومة بالأصول. ومع ذلك، شهد الربع الرابع تحولا حادا نحو الأسهم المتأخرة. قفز قطاع مواد البناء ليصبح الأفضل أداء في الربع الرابع بمكاسب بلغت 59.3%، تلاه قطاع الخدمات التعليمية (+35.0%). أدى هذا التحول في وقت متأخر من العام إلى تحركات قوية في أسهم محددة بالسوق الرئيسية: كان سهم المصريين للإسكان والتنمية والتعمير نجم العام، بعد أن قفز بنسبة 603% في الربع الرابع وحده، بينما قفز سهم مصر للأسمنت – قنا بنسبة 135%.

الشركات تستغل الصعود

لم تضيع الشركات وقتا في استغلال هذه التقييمات المرتفعة لتحسين ميزانياتها العمومية وتدبير السيولة. شهد العام موجة من إجراءات الشركات الكبرى. نفذت القلعة القابضة زيادة ضخمة في رأس المال قيمتها 8.99 مليار جنيه في الربع الرابع، عقب زيادات سابقة نفذتها بلتون القابضة(+10.5 مليار جنيه) في الربع الثاني.

واستقبل السوق دماء جديدة مع إدراج بنيان للتنمية في الربع الأول، تلتها يو للتمويل الاستهلاكي في الربع الثاني، والوطنيةللطباعة في الربع الثالث. في المقابل، خسر السوق عملاقا عندما شطبت حديد عز أسهمها في الربع الأول، مما أخرج أكثر من 500 مليون سهم من التداولات.

تحول في السياسات

اللحظة الأكثر حسما للسوق لم تحدث في قاعة التداول، بل في وزارة المالية. ظلت ضريبة الأرباح الرأسمالية تخيم كسحابة سوداء فوق البورصة معظم العام.. ثم جاء التحول. كان تأكيد وزير المالية أحمد كجوك أن الحكومة ستستبدل ضريبة الأرباح الرأسمالية المعقدة بضريبةدمغة موحدة بنسبة 0.125% هو طوق النجاة الذي انتظره السوق.

والأفضل قادم: تدرس الوزارة حاليا إعفاء ضريبيا مدته ثلاث سنوات للشركات المدرجة حديثا (مرتبط بمؤشرات أداء مثل حجم التداول)، إلى جانب إعفاءات ضريبية للشركات القابضة عند بيع حصص في شركات تابعة، وعلى الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم غير المدرجة.

ما أهمية هذا؟ فرض ضرائب على “المعاملات الجافة” يثني الشركات عن إعادة الهيكلة لتصبح كيانات جاهزة للطرح العام الأولي، وفق ما صرح به عمرو هلال، الرئيس التنفيذي لبنك الاستثمار (sell-side) بشركة سي أي كابيتال، في مقابلة مع إنتربرايز الشهر الماضي. السياسة الجديدة تشير إلى أن الدولة تمنح الأولوية أخيرا لتعميق السوق على حساب الإيرادات قصيرة الأجل.

لماذا تأخرت الطروحات الجديدة؟

في حين بلغ متوسط الطروحات العامة الأولية في السعودية نحو 20 إدراجا سنويا وسط موجة من الاكتتابات، عانت مصر لإتمام الصفقات. يرجع شح الطروحات إلى فجوة هيكلية، وتحديدا عدم كفاية رأس المال المؤسسي المحلي، وفق ما قاله مصطفى جاد، رئيس قطاع الترويج وتغطية الاكتتاب في بنك الاستثمار إي إف جي هيرميس، لإنتربرايز في وقت سابق.

تتطلب الطروحات العامة الأولية الكبيرة مشاركة أجنبية، لكن المستثمرين الأجانب توقفوا عن المشاركة معظم العام وسط مخاوف بشأن تحويل الأرباح إلى الخارج. تغيرت هذه الديناميكية الآن: مع تسوية طلبات التخارج المتراكمة، وانتظام تدفقات التحويلات، عادت الآلية الأساسية للعمل مرة أخرى.

الطرح العام الأولي لشركة الوطنية للطباعة ينبغي أن يكون صفقة نموذجية يحتذى بها فيما يتعلق بهيكلة الطروحات في مصر، حسبما يرى جاد، الذي سلط الضوء على نموذج استقطاب “مستثمر رئيسي” مبكرا لدعم الطرح، ما أضفى مصداقية وقلل من المخاطر بالنسبة للسوق الأوسع.

وتستهدف الحكومة جمع 3-4 مليارات دولار من خلال برنامج الطروحات بحلول أكتوبر 2026، مع صفقات متوقعة تشمل بنك القاهرة وشركتي صافي ووطنية والحصة المتبقية في بنك الإسكندرية. وقال رئيس البورصة إسلام عزام إن البورصة قد تستقبل ثمانية طروحات جديدة على الأقل في عام 2026، منها شركات تنشط في قطاعي الرعاية الصحية والسياحة.

وتمضي القلعة القابضة قدما في استراتيجية النمو وخفض الديون التي أعلنت عنها في نتائج المالية عن الربع الأول، مع خطط لإدراج ست من شركاتها التابعة في البورصة خلال عامين، ورفع الرقم إلى 12 شركة خلال ست سنوات، بحسب تصريحات رئيس مجلس الإدارة أحمد هيكل لقناة العربية أمس. وكان مجلس إدارة القلعة قد وافق سابقا على إدراج شركات مزارع دينا للصناعات الغذائية والوطنية لإدارة الموانئ النهرية وأسيك للتحكم الآلي، إضافة إلى شركتين لم يُكشف عنهما.

ترتيب شركات الوساطة

احتفظت إي إف جي هيرميس بصدارة ترتيب شركات الوساطة المالية في البورصة المصرية بحصة سوقية بلغت 20.1%، تليها ثاندر (8.3%)، ثم مباشر (7.2%)، وفقا لترتيب البورصة (بي دي إف) الذي تتبع أداء الشركات خلال عام 2025.

البورصة المصرية تتفوق على “تاسي” السعودي وسوقي دبي وأبو ظبي

إذا أخبرت مدير أصول في يناير 2025 أن البورصة المصرية ستنهي العام متفوقة على أسواق الرياض ودبي وأبو ظبي، لكان من المحتمل أن يضحك. ومع ذلك، بعد 12 شهرا، الأرقام لا تكذب: ارتفع مؤشر EGX30 بأكثر من 40% في 2025، مغلقا بالقرب من أعلى مستوى له على الإطلاق عند 41.8 ألف نقطة، بينما تراجع مؤشر “تاسي” السعودي بنسبة 14%، وسجل سوق أبو ظبي مكاسب في خانة الآحاد فقط، وارتفع سوق دبي بنسبة 17% – وهو أداء جيد فقط إذا نظرنا إليه بمعزل عن الآخرين.

هيمنت سلعتان على العناوين في 2025: النفط وأسعار الفائدة. قضت السعودية عام 2025 تصارع أسعار النفط. ضغط ضعف الطلب العالمي وتخفيضات إنتاج “أوبك+” بشدة على الاقتصادات النفطية في المنطقة. وأدى تراجع سهم أرامكو بنسبة 15% إلى انخفاض مؤشر “تاسي”، مما خلق أزمة سيولة أثرت على المعنويات في المملكة.

في المقابل، ركزت مصر في عام 2025 على أسعار الفائدة. بعد أن بدأ البنك المركزي المصري دورة التيسير النقدي، تحولت الجاذبية. في الخليج، كانت الفائدة الأمريكية المرتفعة وانخفاض أسعار النفط رياحا معاكسة. أما في مصر، فقد عملت توقعات انخفاض تكلفة التمويل كمحرك للصعود.

ماذا بعد؟

تدخل البورصة المصرية عام 2026 بزخم قوي، لكن “المكاسب السهلة” قد تحققت بالفعل، بالنظر إلى أن قفزة الـ 40% في 2025 جاءت من قاعدة منخفضة. لكي تواصل الأسهم المحلية التقدم في 2026، تحتاج إلى تقديم “قصة نمو” تتفوق على تكلفة الأموال. ففي بيئة لا يزال فيها العائد الخالي من المخاطر يحوم فوق 20%، فإن عوائد التوزيعات ليست كافية لجذب رأس المال الأجنبي، وفقا لجاد. لماذا تشتري سهما بعائد 5% بينما يمكنك الحصول على عائد يبلغ 20% في أذون الخزانة؟

التوقعات: تتوقع سي أي كابيتال أن يخفض البنك المركزي أسعار الفائدة بنحو 600 نقطة أساس في 2026. والأهم من ذلك، أنه حتى مع هذه التخفيضات، ستقدم مصر عائدا حقيقيا موجبا بنحو 3%، مما يبقي على جاذبية “تجارة الفائدة”، مع رفع تقييمات الأسهم.

  • السيناريو المتفائل: تنجح الحكومة في تنفيذ خارطة طريق الطروحات باستخدام نموذج المستثمر الرئيسي، ويهدأ التضخم مما يسمح بتخفيضات عميقة في أسعار الفائدة، وتتسارع التدفقات الأجنبية حيث تبدو مصر قصة النمو المرتفع الوحيدة في منطقة تعاني من التباطؤ.
  • السيناريو المتشائم: تؤدي تغييرات “ساعات التداول” إلى تراجع السيولة، ويجري تسعير الطروحات الجديدة بشكل مبالغ فيه (رفض ترك مكاسب للمستثمرين على الطاولة)، وتتصاعد حدة التوترات الجيوسياسية، مما يثير مخاوف السياح والمستثمرين الذين تحتاج البلاد إليهم بشدة.