? كيف يمكن لمحاكاة الطبيعة أن تنقذ الشركات والأعمال؟ عبر مليارات السنين، كانت الطبيعة بمثابة الوحي الذي يلهم الإنسان، فمن خلال التأمل والنظر في ما حولنا، يمكن استلهام الأفكار والأنماط من الطبيعة في حياتنا الخاصة وكذلك في عالم الأعمال. فمثلا قد تبدو هياكل الإدارة التقليدية التي تتدرج فيها المناصب من الأعلى إلى الأقل مألوفة ومعتادة، لكن الطبيعة لها رأي آخر. يوجد في الطبيعة مناهج أكثر مرونة لهياكل الإدارة، وخير مثال على ذلك هو مستعمرة النمل، وربما قد حان الوقت لتأمل الطبيعة وتطبيق الدروس المستفادة منها في إدارة الشركات.
لكن أولا.. ما هي محاكاة الطبيعة؟ كما يتضح من اسمها، هي عملية استلهام حلول أكثر استدامة لعالمنا الذي نعيش فيه من الطبيعة، بحسب ما قالته مبادرة دايمة المحلية للتوعية البيئية لإنتربرايز. خلال هذه العملية، تتحول النظرة إلى الطبيعة من مجرد موارد تستغل، إلى مرشد يمتلك المعرفة القائمة على التجربة. تؤكد محاكاة الطبيعة على أن العالم الخارجي والطبيعية هي المعيار الذي يمكننا من خلاله تقييم ممارساتنا التجارية.
مستعمرة النمل = بيئة عمل ملهمة
يستخدم النمل أنظمة تواصل بسيطة — تشبه تكنولوجيا البلوك تشين نوعا ما — إذ يضيف كل فرد معلومات محدثة تعزز العمل الجماعي. وهذا يسمح باتخاذ قرارات مستقلة بناء على معلومات آنية بدلا من انتظار الأوامر من الإدارة العليا. سلاسل الفيدباك واضحة ومباشرة وفورية، بعكس هياكل الأعمال التقليدية التي تعتمد على المراجعات الدورية والعمليات المطولة.
كيف تحاكي ذلك؟ أنظمة واضحة فعالة: يمكن للشركات الاستفادة من نموذج مستعمرات النمل من خلال إنشاء أنظمة هيكلية أكثر وضوحا لتبادل المعلومات، وتمكين الموظفين من اتخاذ القرارات بناء على أهداف جماعية محددة مسبقا، بدلا من اشتراط إشراف إداري مستمر غالبا ما يعيق العمل أكثر مما يفيده.
الغراب لا الكوالا
في 2020، وعندما ضربت جائحة كورونا الأسواق العالمية، واجهت الشركات التي تعتمد على مصادر دخل وحيدة تحديات كارثية. فقد شهدت الشركات والمصانع شديدة التخصص، والتي تأثرت خطوط إنتاجها بالجائحة، انهيارا تاما، بحسب دايمة. الحل بسيط ويكمن حولنا في الطبيعة: التنويع والقدرة على التكيف هما مفتاح الصمود.
"الكائنات عامة التكيف هي التي تنجو في الأوقات الصعبة"، بحسب دايمة، وهنا تقع المقارنة بين الغربان وحيوانات مثل الباندا والكوالا. الغربان هي كائنات قارتة (أي تتغذى على أكثر من عنصر)، وتستطيع التكيف مع أي مورد متاحة، إذ تتعاون وتبحث عن الطعام وتصطاد وتأكل كل ما تستطيع أكله بأي طريقة ممكنة. في المقابل، يعتمد غذاء الباندا كليا على البامبو، بينما تعتمد الكوالا على نبات الأوكالبتوس فقط. والنتيجة؟ تستطيع الغربان النجاة والازدهار في مختلف أنحاء العالم، بينما يزداد خطر انقراض الباندا والكوالا يوما بعد يوم.
كيف تحاكي ذلك؟ التنويع: يمتد هذا المبدأ إلى ما هو أبعد من مصادر الإيرادات والدخل ليشمل سلاسل التوريد وخطط القيادة وحتى نسيج الموظفين. وجود فرق عمل متنوعة بخبرات مختلفة يعزز مرونة الشركة أمام التحديات المختلفة، لأنه ببساطة يخلق المزيد من الأساليب لمواجهة الأزمات المستقبلية، تماما كما يعزز التنوع الجيني قدرة الأنواع على التكيف مع التغيرات البيئية.
لا إفراط ولا تفريط
الطبيعة لا تعرف الهدر، إذ أن النفايات تتحول تلقائيا إلى موارد للكائنات الحية الأخرى. تمر جثة الحوت بمراحل تحلل متعددة تستفيد منها حيوانات مختلفة. كل مرحلة مفيدة لنوع آخر، من الحيوانات المفترسة الكبيرة إلى الفطريات وحتى البكتيريا المجهرية.
كيف تحاكي ذلك؟ إعادة التدوير: يمكن للشركات الاستفادة من هذا النهج في تأسيس أنظمة اقتصاد دائري، تصبح فيها النفايات مدخلات لعمليات أخرى أو لشركاء آخرين. يكمن السر في بناء علاقات مع مختلف أصحاب المصلحة، وتصميم منتجات يمكن تحليلها إلى مكونات مفيدة بدلا من أن ينتهي بها المطاف في مكبات النفايات بلا فائدة.
تعلم من الصبار
تقدم النباتات الصحراوية كالصبار دروسا قيمة في إدارة الموارد خلال أوقات الشح. بدلا من الأوراق الكبيرة المعرضة لفقدان الماء بالتبخر أو الرعي من قبل الحيوانات المارة، تقلل هذه النباتات مساحة سطحها وتخزن المياه في هياكل شمعية محمية. حددت هذه النباتات أثمن مواردها وهي المياه، ثم بنت استراتيجية كاملة للبقاء تتمحور حول حمايتها واستخدامها بكفاءة.
كيف تحاكي ذلك؟ تحديد أهم الموارد: يمكن للشركات الاستفادة من هذا النهج عبر تحديد أثمن مواردها. "من السهل اعتبار المال غاية كل شيء في عالم الأعمال، ولكن هل هو بالفعل أندر مواردك؟ أين يذهب؟ وما هو أسوأ شيء قد تخسره إذا فقدت شركتك السيولة المتاحة لديها؟"، بحسب دايمة. يمكن للشركات التي تواجه ظروفا اقتصادية صعبة تطبيق مبادئ مماثلة من خلال تصميم أنظمة مرنة تعتمد على مواردها النادرة، مع مراقبة فعالة وتخصيص دقيق للموارد.
في النهاية التطور حتمي، وكذلك يجب أن يكون التعلم، حتى على مستوى المؤسسات. تطبق بعض الشركات، مثل أوبر، مبادئ محاكاة الطبيعة مباشرة من خلال خوارزميات ذكاء الأسراب، وهو نهج حسابي مستوحى من سلوك الحيوانات التي تعيش في أسراب والحشرات الاجتماعية، بحسب دايمة. تعتمد هذه الأنظمة على اتخاذ القرارات التشغيلية بناء على ذكاء جماعي لا مركزي مستمد من تفاعلات متعددة غير مركزية، بدلا من المعلومات المركزية الصادرة عن شخص أو مصدر واحد. وهذا ما يجعل بعض مستويات التشغيل أكثر كفاءة وفعالية وقابلية للتكيف أمام مختلف الظروف.