سجل الذهب مستوى تاريخيا عند 4500 دولار للأوقية يوم الجمعة الماضي، قبل أن يشهد حركة تصحيحية حادة بنسبة 4.5% أمس، مدفوعا بعمليات جني الأرباح جنبا إلى جنب مع ما بدا أنها محادثات سلام "منطقية" بين ترامب وزيلينسكي. وفي حين يتجه المتداولون عالميا للبيع، تتعامل العديد من الأسر المصرية مع هذا الانخفاض بوصفه نقطة دخول ثانية، وفق ما صرح به خبراء في الصناعة لإنتربرايز، مما يشير إلى أن الذهب لا يزال يمثل أداة تحوط هيكلية في ميزانية الأسرة المصرية.
ما أهمية ذلك: ما لم يتمكن الجنيه من منافسة الأمان النفسي — إن جاز التعبير — الذي توفره السبائك، ستظل رؤوس الأموال حبيسة الاقتصاد غير المنتج. ومثلما قال أيمن العيسوي، الرئيس التنفيذي لشركة بكرة القابضة: "الطلب على الذهب في مصر لا ينهار عندما تتحسن الظروف؛ بل يتباطأ فقط. التقلبات السابقة تجعل الذهب يبقى في المحافظ الاستثمارية لفترة أطول مما تتوقعه النماذج الاقتصادية".
بالنسبة لمعظم المصريين، لم يعد الذهب مجرد أصل — بل أصبح بديلا للثقة في العملة
"حتى لو تباطأ التضخم، يتذكر الناس ما فعله التضخم المرتفع بـ [العملة الورقية]"، وفق ما قاله العيسوي. وأضاف: "شراء الذهب اليوم غالبا ما يكون مدفوعا بالماضي، وبذاكرة الناس"، موضحا أن هذه "الذاكرة التي خلّفها التضخم" أقوى حاليا من الرسوم البيانية للأسعار العالمية. ويضيف العيسوي أن ارتفاع الأسعار يُفسر على أنه علامة دالة على عدم استقرار قادم، وليس سببا للانتظار.
في محلات الصاغة، لا تزال عقلية "الشراء والاحتفاظ" هي السائدة. لا ينظر العملاء إلى الشاشات بحثا عن مكاسب سريعة، وفق ما قال حاتم الجبري، الرئيس التنفيذي لمحلات "توت عنخ آمون" للمجوهرات، في حديثه مع إنتربرايز. ويوضح: "لا يزال المشترون يدخلون السوق، مدركين تماما أن الذهب استثمار طويل الأجل وأن العوائد تستغرق وقتا. يراه الكثيرون وسيلة لحفظ القيمة للمشتريات المستقبلية بدلا من كونه صفقة قصيرة الأجل".
وهو ما يؤكده المدخرون أنفسهم. يقول أحد مشتري الذهب بهدف ادخاره: "التضخم هو السبب الرئيسي. حتى عندما تستقر الأسعار قليلا، تستمر تكلفة المعيشة في الارتفاع، لذا يبدو الذهب وسيلة لحماية ما ادخرته بالفعل". ويضيف آخر أن أي همسة حول تقلب العملة تعد إشارة للشراء، موضحا: "أي حديث عن ضغوط على الجنيه يجعلني أفكر فورا في حماية مدخراتي".
الأسعار المرتفعة نادرا ما تقتل الطلب في مصر — هي فقط تعيد تشكيله
تتمتع مصر بثقافة "شراء وادخار الذهب" تتجاوز تقلبات الأسعار، إذ تشتري الأسر عادة سواء أكانت الأسعار صاعدة أم هابطة، لكن الدافع هو الذي يتغير، وفق ما قاله سامح الترجمان، الرئيس التنفيذي لشركة "إيفولف" للاستثمار القابضة لإنتربرايز. "عندما ترتفع الأسعار بسبب مخاوف التضخم أو ضغوط العملة الأجنبية، يندفع الناس للذهب حتى مع صعود السعر. والتفكير هنا يقول: من الأفضل تحويل أموالي الآن قبل أن تفقد قيمتها". وعلى العكس، عندما ترتفع الأسعار دون تلك الضغوط المحلية، "يميل الطلب للهدوء قليلا، نظرا إلى أن العديد من المشترين يفضلون الانتظار".
من المرجح أن يؤدي الانخفاض الأخير إلى عودة "المشترين ذوي الخبرة" إلى الطاولة. ويضيف العيسوي: "الانخفاضات البسيطة نادرا ما تسبب موجات بيع مذعورة. الطلب لا يختفي؛ بل يتحول إلى المشترين ذوي الخبرة وإلى التجار. تتردد الأسر في البيع ما لم تشعر أن الهبوط جوهري ومؤثر".
المصريون يتدفقون دائما نحو الذهب.. وهذه ليست أخبارا جيدة للاقتصاد
في حين يحمي الذهب الفرد، فإنه يمثل تحديا للاقتصاد الأوسع. يقول العيسوي: "الاتجاه المتزايد للشراء وتخزين الذهب يحمي مدخرات الأسر، لكنه لا يسهم في النمو الاقتصادي". ويوضح: "عندما تُحتجز حصة كبيرة من رأس المال في الذهب، تصبح هذه الأموال خاملة — أي محفوظة بدلا من أن يجري تداولها — مما يحد من قدرتها على تمويل النشاط التجاري، أو خلق فرص العمل، أو التوسع في القدرات الإنتاجية".
إذن، إلى أين يتجه الذهب في 2026؟ يتوقع استطلاع أجرته مؤسسة جولدمان ساكس للمستثمرين المؤسسيين، أن يلامس المعدن النفيس حاجز الـ 5000 دولار في العام الجديد.