دعونا نتوقف عن التظاهر بأن الإجراءات الاستعراضية تعني سياسات جيدة. فليس هكذا تورد الإبل، إذ إن تمديد ساعات التداول لن يزيد أحجام التداول في البورصة المصرية، حتى لو منحنا هذا شعورا زائفا بأننا "نفعل شيئا ما"، أو منحنا فرصة لتهنئة أنفسنا.
فكيف لنا أن نجزم بذلك بهذه الثقة؟ لدينا سببان وجيهان: البحث التجريبي، والمنطق السليم.
تُظهر الأبحاث باستمرار أن حجم التداول ليس على شاكلة "السائل" الذي يتمدد لملء وعاء أكبر؛ بل هو أشبه بـ "حشد" — إن جاز لنا التعبير — يحتاج إلى زمان ومكان محددين للتجمع. فعندما تزيد الساعات، لا يخلق هذا بالضرورة تداولات جديدة، بل تشتت فحسب التداولات الحالية.
ما هو الدليل على ذلك: عندما مددت بورصة لندن ساعات التداول بسجل الأوامر الدولي (LSE IOB) لمدة ساعة واحدة في سبتمبر 2018، انخفض متوسط حجم التداول مقارنة بمؤشر فوتسي 100، وارتفعت التقلبات، واتسعت الفجوة بين سعري البيع والشراء.
كذلك تُظهر أبحاث أخرى من اليابان وأيضا هونج كونج أن تمديد الساعات نادرا ما يخلق "مجموعة" جديدة من المستثمرين. بدلا من ذلك، يؤدي الأمر إلى تآكل أحجام التداول. ويؤدي أيضا إلى انخفاض جودة السوق، ومثلما حدث في تجربة لندن، اتسعت فروق الأسعار وارتفعت تكلفة التداول.
...وماذا عن آلية تكوّن الأسعار؟ تتضرر هي الأخرى بالطبع. عندما تتمدد الساعات وتضعف السيولة، يصبح السوق مشوشا بدرجة أكبر وأكثر عرضة لتقلبات الأسعار بناء على صفقات صغيرة نسبيا.
الأسعار الفعالة تعكس إجماعا مجموعة متنوعة من البائعين والمشترين. ولا يتعزز هذا "الإجماع" بتمديد ساعات التداول. تعني النافذة الأوسع ببساطة نقل الصفقات — التي كانت ستُنفذ في الساعات العادية — إلى الفترة الممتدة. بل قد ينخفض الحجم الإجمالي قليلا بسبب غياب "الكتلة الحرجة" من المتداولين في وقت واحد.
بل قد يشير هذا أن تقليص ساعات التداول هو الحل. فقد ثبت أن تقصير ساعات التداول يقلص فروق الأسعار عن طريق إجبار جميع المشاركين على التفاعل داخل نفس النافذة الضيقة.
ابتعد كاتبنا المفضل المتخصص في الشؤون المالية مات ليفين، الذي يكتب عمود "Money Stuff" في وكالة بلومبرج، بتأييد هذا الطرح إلى أقصى حد: فقد اقترح بلهجة تجمع بين الجدية والسخرية أن تتراوح مدة التداول اليومي بين 15 و 30 دقيقة فقط، مشيرا إلى أن التركيز الشديد لجميع البائعين والمشترين في نافذة واحدة مكثفة سيخلق أفضل آلية لاكتشاف السعر وأعلى كثافة للسيولة.
ولكن مهلا.. لماذا يزعجنا هذا الأمر؟ بصراحة، ليس بالأمر الجلل، ونعترف بذلك. وهو ليس حتى تغييرا كبيرا في السياسة. ما يزعجنا فقط هو أن مثل هذه الإجراءات تخفي المشكلات الحقيقية التي تعيق إمكانات النمو الحقيقية للبورصة المصرية.
تمديد ساعات التداول لن يفيد البورصة المصرية، وكذلك محاولة جذب المزيد من الأفراد "للتكويد" والمضاربة اليومية عبر التطبيقات.
ثلاثة أشياء فقط ستحسن جودة وأحجام التداول في البورصة المصرية:
- الاستمرار في ضمان دخول وخروج المستثمرين الأجانب دون قيود رأسمالية صارمة، وهو ما يحدث بالفعل حاليا.
- طرح أوراق مالية عالية الجودة مع نسب تداول حر مؤثرة — فنحن في حاجة إلى المزيد من طروحات بحجم بنك القاهرة في البورصة، ونحتاج لطرح حصص أكبر بكثير من نسبة الـ 10-20% التي تبدو رائجة حاليا.
- صناديق المعاشات والتأمين والمؤسسات الحكومية يجب أن تصبح مشاركا نشطا في السوق.
انتشار صناديق معاشات الشركات (على غرار خطط التقاعد "401k" في أمريكا) قد يساعد أيضا. لكن الخلاصة بسيطة: تأكدوا من قدرة المؤسسات الأجنبية على الدخول والخروج. اجلبوا أسماء أكبر وأعلى جودة للسوق مع نسب تداول حر أكبر. وأجبروا مؤسسات الدولة على البدء في الاستثمار بالأسهم. هذا كل ما في الأمر.
____________
"زاوية مغايرة" هو مقال رأي يصدر من حين لآخر في نشرة إنتربرايز الصباحية، تتبنى فيه إنتربرايز (أو أحد أعضاء مجتمعنا) وجهة نظر محددة. هل تختلف مع هذا الطرح؟ أرسل لنا ملاحظاتك. هل لديك ما تريد البوح به؟ راسلنا عبر egypt@enterpriseam.com.