📖 شبح التخبط يلاحق قطاع النشر المصري: في ظل غياب قواعد البيانات الدقيقة والجمعيات الداعمة والبنية التحتية المواتية، يعاني قطاع النشر المحلي في عملياته اليومية، معتمدا على منهج التجربة والخطأ. ففي قطاع يتسم أصلا بهوامش ربح ضئيلة ومخاطر عالية، يجد رواد الأعمال أنفسهم مجبرين على اتخاذ قرارات غير مدروسة، حسبما قالت المؤسسة المشاركة لمكتبة ديوان نادية واصف لإنتربرايز. أي قرار يتخذ بناء على تقديرات شخصية هو أشبه “بتخمينات عشوائية من أفراد معصوبي الأعين يمشون في نفق مظلم”، حسبما أضافت.

كي نفهم واقعنا، سنلقي نظرة على كيفية عمل دور النشر في الدول الأكثر تنظيما. في الأسواق المنظمة ودور النشر الراسخة، تبدأ رحلة الكتاب قبل مدة زمنية طويلة. التخطيط للعمل الأدبي يبدأ قبل عام كامل، والتسويق يجري عبر استراتيجية دقيقة للغاية. هذا ما يحدد موقع الكتاب في السوق، هل يستهدف الجماهير مباشرة من خلال بيعه في كل مكان، أم سيسوق له باعتباره عملا أدبيا للنخبة يرشح لجوائز مرموقة؟ هذا إلى جانب وجود قواعد بيانات شاملة تسجل تاريخ كل كتاب وعدد النسخ المباعة والمعادة منه وكذلك هوية المشترين. أي أن دور النشر في مثل هذه الأسواق تعمل وفق نظام دقيق قائم على اليقين والبيانات المحددة بعيدا عن العشوائية.

الظروف الاقتصادية تلقي بظلالها على القطاع بأسره: غير الارتفاع الحاد في تكاليف الإنتاج المشهد المالي للقطاع بشكل جذري، وفقا لما قاله مدير ومؤسس مكتبة ودار نشر تنمية خالد لطفي لإنتربرايز. في الماضي، كان بالإمكان طباعة كتاب مقابل 15 إلى 20 جنيه وبيعه بالسعر نفسه. أما الآن، فقد تصل تكلفة الطباعة وحدها إلى 110 جنيه، وهو ما لا يشمل حقوق النشر أو الترجمة أو أي تكاليف أخرى، حسبما أضاف.

بالنسبة للمستهلك المصري، الذي تضاءلت قدرته الشرائية بشكل كبير، يشكل هذا الارتفاع تحديا جديدا بالنسبة له. “الأفراد الذين كانوا يخصصون ميزانية معينة للكتب تكفي لشراء عشرة منها مثلا، لم يعد باستطاعتهم الآن سوى شراء كتاب أو اثنين فقط” بحسب لطفي، مشيرا إلى مقاومة فريدة لارتفاع الأسعار في القطاع الثقافي.

الأرقام تعكس الأزمة: بلغت قيمة سوق خدمات الكتب في مصر نحو 213 مليون دولار في عام 2024، لكن النمو يحدث بمعدلات شديدة البطء. ويتوقع المحللون نموا سنويا متواضعا بنسبة 2.6% حتى عام 2030. وبينما تشير التقارير إلى التضخم وسوق الكتب المسروقة كمسببات رئيسية لتعثر ربحية القطاع، فإن الواقع أقسى بكثير، إذ تشير واصف إلى أن هناك عدد من التجارب الصعبة التي كادت أن تدفع بديوان إلى حافة الإفلاس.

سد هذه الفجوة يتطلب استراتيجية دقيقة، توازن بين التكيف مع الظروف والتعاطف مع المستهلك، حسبما ترى مؤسسة مكتبة تشيري بلوسوم سمية سلامة. عاصرت مؤسسة المكتبة الرقمية المستقلة موجات التعويم التي أثرت في أسعار كل شيء، والتي نتج عنها زيادات مفاجئة في الأسعار كبدت بائعي الكتب خسائر فادحة بسبب المخزون غير المباع. تبنت سلامة استراتيجية تسعير تدخل زيادات بطيئة وتدريجية لامتصاص الصدمات الاقتصادية، وذلك خلال سعيها إلى إيجاد سعر “عادل للمستهلك وعادل للشركة”.

المفارقة واضحة.. سوق الكتب المحلية تعاني من ناحية التنظيم، ولكن القراءة لا تزال أساسية في تكوين النسيج المصري. البيانات وحدها تشير إلى أن السوق المصرية للكتب قد انهارت، ولكن بالنظر إلى أرض الواقع، سنجد عكس ذلك تماما. ففي خضم أزمة اقتصادية خانقة، أقبل أكثر من خمسة ملايين زائر على معرض القاهرة الدولي للكتاب خلال عامين متتالين.

كيف السبيل إذن إلى الخروج من هذا النفق المظلم؟ الحل يكمن في الاستراتيجية والتعاون والاستدامة التشغيلية، حسبما أكدت الرئيس التنفيذية لمكتبة ديوان أمل محمود لإنتربرايز. “نركز على التوسع في العالم الرقمي عبر منصات مختلفة، وذلك بهدف تعزيز التواصل وتنمية مجتمع القراء حتى في عصر العزلة الرقمية”، بحسب محمود، والتي أضافت أن المرء منا سيظل دائما متعطشا للتواصل والشعور بالانتماء، وهو ما تحاول ديوان ترسيخه والتأكيد عليه من خلال تحويل المكتبة إلى وجهة ثقافية متكاملة. تعد مبادرات مثل فوتوبيا وأسبوع القاهرة للتصميم وأسبوع القاهرة للطعام أمثلة تدل على أن الاقتصاد الإبداعي في مصر يزدهر رغم كل المعوقات، والسبب بسيط: هذا الاقتصاد يقدم ما يفتقر إليه العالم الرقمي وهو التجارب الواقعية الملموسة.