🤳 الأسبوع الماضي، تناولنا مفهوم التسويق بالصدمة، والذي تلجأ إليه بعض العلامات التجارية لجذب الانتباه. اليوم نكمل ما بدأناه من خلال محاولة فهم سلوك العلامات التجارية، والتي — في محاولتها للتأقلم مع الواقع الجديد باتجاهاته المختلفة — قد تضحي بهويتها ومكانتها لدى قاعدة مستهلكيها.

الجميع يتحدث بلسان واحد: بمجرد تصفح إنستجرام أو تيك توك، يواجه المرء سيل لا ينتهي من المحتوى الذي بات يشبه بعضه البعض، فلا اختلاف بين مؤثر لديه ملايين المتابعين ومستخدم آخر عادي، بل يستخدم الجميع المقاطع الصوتية ذاتها ويتمتعون بنفس الجماليات. والأمر لا يقتصر هنا على الأفراد، بل طال العلامات التجارية وحتى الفاخرة منها.

إنه الواقع الجديد: لم تعد الشركات تروج لمنتجاتها أو خدماتها، بل أصبحت تروج لما يحدث أونلاين. أصبح هم أصحاب الأعمال التأكيد على فكرة التواجد، فالمقاطع الصوتية المنتشرة لم تعد مجرد إضافات عابرة، بل أصبحت ضرورة للتسويق. ولأن استغلال كل ما هو رائج في الدعايا لا يمثل ظاهرة جديدة بأي شكل، يتجلى تساؤل مهم: في ظل سباق الجميع نحو التميز، من يتميز حقا؟

ولكن أولا.. ما سبب هذا التحول الهائل؟ لجأت بعض العلامات التجارية إلى التسويق بالصدمة لجذب الانتباه وسط تزايد المحتوى الرديء المولد بالذكاء الاصطناعي من كل حدب وصوب. ورغم أن معظم هذه العلامات يسلك مسارا أكثر عفوية — عبر مقاطع فيديو قصيرة تنتشر سريعا — إلا أن هذه العفوية في حد ذاتها بدأت تفقد بريقها. الأمر بسيط، الأجيال الجديدة تقدر الأصالة والعفوية والمحتوى الحقيقي غير المنمق، كما صرح محمد جلال، خبير التسويق ورئيس مجلس إدارة شركة تي إس إم مانجمنت، لإنتربرايز.

وداعا أيها المستهلك القديم: تستهدف العلامات التجارية الآن شريحة جديدة تماما من العملاء، وهذه الشرائح لا تتفاعل إلا مع السوشيال ميديا، بحسب جلال. هذا الاتجاه قد يتجاهل وينفر قاعدة المستهلكين القائمة بالفعل منذ سنوات، والتي لطالما استهدفتها العلامة التجارية وخاصة الفاخرة والعريقة، “المستهلكون يكبرون بطبيعة الحال، حتى يصلوا إلى مرحلة يتوقفوا فيها عن كونهم مستهلكيك”، بحسب جلال.

رغم ما قد يبدو عليه.. التسويق ليس فنا: التسويق في جوهره وظيفة تجارية كغيرها، هدفها الوحيد هو تحقيق الربح. لذا فإن التأقلم والتكيف مع الواقع الجديد لا يحدث مرة واحدة فحسب، بل هو عملية دائمة ومستمرة. فمثلا، تراجعت أهمية التسويق عبر المؤثرين حاليا، أو على أقل تقدير فقدت هذه الوسيلة أهميتها، بحسب ما قاله نادر إلهامي، المؤسس وكبير استشاري شركة توولبوكس للتسويق، لإنتربرايز. بدأ التسويق عبر المؤثرين كوسيلة لتوليد التفاعل وتعزيز المصداقية من خلال اختيار أفراد يشبهون المستهلكين ويعبرون عنهم. ولكن لم يدم ذلك طويلا في اللحظة التي فاق فيها عدد المؤثرين عدد المستهلكين، وبدت كل فكرة وكأنها سكريبت محفوظ يوزع على الجميع، وبالتالي فقد المستهلك ثقته في المؤثر.

المعادلة صعبة.. ولكن ليست مستحيلة: “من الأهمية بمكان أن تواكب العلامات التجارية التوجهات السائدة وأن تستفيد منها، شريطة الحفاظ على جوهرها، وبالطبع دون تنفير جمهورها الأساسي”، بحسب إلهامي. هذه المعادلة الصعبة تتطلب جهدا وتدقيقا كبيرا، ومن العلامات القليلة التي نجحت في حلها بالفعل كانت ساليه سوكريه. تمكنت علامة الحلويات الرائدة من توظيف توجهات السوشيال ميديا مع الحفاظ على هويتها البصرية وأسلوبها الخاص الذي أكسبها قاعدة عملاء مخلصين لها. الأمر نفسه ينطبق على لا بوار، والتي نجحت في مضاعفة معدلات التفاعل وتعزيز أهميتها كعلامة تجارية معروفة الآن بين الفئات العمرية الأصغر، وفقا لإلهامي.

التأقلم هو الغاية، والتخطيط الجيد هو البوصلة: العديد من العلامات التجارية تبالغ في تعقيد عملية التواصل، في حين أن الفرصة الحقيقية للتميز دائما تكمن في التمسك بالأساسيات والبساطة، بحسب إلهامي. من المهم أن يجيب المسوق على السؤال الجوهري: لماذا ينبغي على المستهلك أن يختارني أنا بدلا من المنافسين؟ عندما لا تكون الإجابة واضحة، لا يمكن لأي استراتيجية أو تكتيك أن يحقق نتائج فعالة. عندما توظف العلامات التكنولوجيا بطريقة واعية لبناء قصص وسرديات تقربها من المستهلكين، ستحظى حينها بلا شك بانتباه الجميع.

العلامات: