تهيأت أشرعة البنك المركزي المصري رسميا للتحول بعيدا عن رياح إدارة الأزمة، والتوجه نحو نسائم تحفيز النمو، ليختتم عام 2025 بخفض أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس في آخر اجتماعات لجنة السياسة النقدية لهذا العام. ترفع هذه الخطوة إجمالي ما جرى خفضه خلال عام 2025 إلى 725 نقطة أساس، لتنتهي بذلك دورة التشديد النقدي الصارمة التي حددت ملامح الاقتصاد المصري منذ تعويم العملة في مارس 2024 وقبل شروع المركزي في خفض الفائدة.
بالأرقام: حددت اللجنة سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة عند 20.00% و21.00% على الترتيب، وسعر العملية الرئيسية عند 20.50%، وفقا لبيان صادر عن البنك. وبهذا، وصلت أسعار الفائدة الآن إلى أدنى مستوى لها منذ يناير 2024.
ما أهمية ذلك؟
تحمل هذه الأنباء في صميمها مزيدا من إشارات الطمأنة لمجتمع الأعمال. فعلى مدار عامين تقريبا، تجمدت حركة الاقتراض من جانب الشركات فعليا في ظل تحليق أسعار الفائدة قرب مستوى 30%. وقد أوضح البنك المركزي أنه يمضي قدما في دورة تيسير نقدي حذرة، مما يمنحنا أملا في وصول أسعار الفائدة بحلول أواخر العام المقبل إلى مستوى يحفز الشركات على العودة للاقتراض لتمويل نفقاتها الرأسمالية.
دورة التيسير النقدي في بدايتها
قد يبدو خفض 725 نقطة أساس كبيرا، لكننا لا نزال "في بداية أو في منتصف" رحلة أطول، حسبما صرح به رئيس قطاع البحوث في الأهلي فاروس هاني جنينة لإنتربرايز. وبرغم التخفيضات المتتالية، لا تزال أسعار الفائدة أعلى بـ 1.25% من مستواها قبل تعويم الجنيه في مارس من العام الماضي. وقال جنينة إن ما حدث في يوم واحد عام 2024 استغرق عاما كاملا لمحو أثره.
وحتى بعد هذا الخفض، لا تزال أسعار الفائدة الحقيقية في مصر من بين الأعلى عالميا، وفقا لجنينة. وأضاف أن أسعار الفائدة الحقيقية الحالية تتراوح بين 8-9%، وهي نسبة مرتفعة تاريخيا بالنسبة لمصر وليست المعتادة عالميا، أو المعتادة في الاقتصادات المستقرة.
قد يشهد العام المقبل تسريع البنك المركزي وتيرة خفض الفائدة، إذ يتوقع جنينة تخفيضات أخرى بمقدار 800 نقطة أساس في عام 2026. وأوضح أن هذا من شأنه أن يصل بأسعار الفائدة الحقيقية إلى 1-2%، مما "يوازن بين النمو واستقرار الأسعار".
تراجع الفائدة يقلل أعباء خدمة الدين
تعد هذه الخطوة مكسبا كبيرا لوزارة المالية. وصف عضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي محمد عبد العال، الخفض بأنه "هدية" للخزانة العامة، في ظل التهام مدفوعات الفائدة مؤخراً لأكثر من 100% من إجمالي الإيرادات الحكومية في الأشهر الأربعة الأولى من العام المالي. إذ يوفر كل خفض بمقدار 100 نقطة أساس للحكومة المصرية ما بين 70 و 80 مليار جنيه في تكاليف خدمة الدين السنوية، التي يمكن توجيهها حينئذ نحو الإنفاق الاجتماعي أو نحو الأولويات الأخرى.
نظرة مستقبلية
لم يعد السؤال المطروح لعام 2026 هو ما إذا كان المركزي سيخفض الفائدة، بل كيف ستكون وتيرة الخفض. فإذا أراد البنك المركزي تحقيق مستهدفه الطموح للتضخم البالغ 7% (±2%) بحلول الربع الرابع من 2026، سيتعين عليه تحقيق توازن دقيق بين كبح التضخم وخفض أسعار الفائدة. ومع أن البنك المركزي لم يعلن حتى الآن جدول اجتماعات لجنة السياسة النقدية لعام 2026، ينعقد الاجتماع الأول من العام عادة في شهر فبراير، وهو ما حدث في كل من السنوات الخمسة الماضية، وإن كان البنك اعتاد أيضا في الماضي على عقد اجتماعات في النصف الثاني من يناير.