🍽️ مفهوم وجبة الإفطار المتأخر أو البرانش ليس جديدا على الإطلاق، بل يمتد عبر مئات السنين. في عام 1895، طرح الكاتب البريطاني جاي بيرينجر هذه المصطلح لأول مرة في مقال له، إذ شجع القراء على دمج وجبتي الإفطار والغداء (Breakfast – Lunch) في وجبة واحدة ومن هنا جاء مصطلح “برانش”.

كانت الفكرة بسيطة ومباشرة: في عطلات نهاية الأسبوع، يمكن أن يستمتع المرء ببضع ساعات نوم إضافية، قبل أن يستيقظ ويقضي فترة ما بعد الظهر في تناول الطعام والدردشة مع الأصدقاء. “في هذه الأيام المليئة بالاندفاع والقلق والركض، غالبا ما يتم تجاهل متع الحياة”، هذا ما كتبه بيرينجر في مجلة هانترز ويكلي.. في القرن التاسع عشر.

بعد مرور 130 عاما، أصبحت الحياة المعاصرة أكثر سرعة، وبات الجميع يخوض سباقا قلقا. والوجبة التي كانت بالأساس تهدف إلى تعزيز التواصل بين المرء وأصدقائه وسط اليوم المزدحم، تحولت الآن إلى مناسبة اجتماعية صاخبة تصاحبها عروض موسيقية تهدف لإثارة إبهار المتابعين على السوشيال ميديا.

مع انتشار الظاهرة محليا، باتت تتسم ببضع من اللمسات المصرية. البرانش في مصر لا يلتزم بموعد محدد، إذ يبدأ عادة ما بين الساعة 3 و5 عصرا، وقد يمتد حتى منتصف الليل. وغالبا ما تحدد الأماكن قواعد ملابس لحضور مثل هذه الفعاليات تتنوع بين كاجوال شيك و”شيك للغاية”. تقام هذه الفعاليات في وجهات ليست رخيصة على الإطلاق، فقد يتكلف الشخص الواحد ما يتراوح بين 3 إلى 5 آلاف جنيه وفقا للمنيو وجدول العروض الترفيهية وغيرها.

“يقبل الناس بحماس على فكرة وجبة البرانش ليس فقط لأنها “تريند”، بل لأنهم يجدون وقتها ملائما لهم”، حسبما قالت سلمى أبو الدهب، المديرة التنفيذية للشؤون التجارية والعمليات في شركة كوينتيسينشالي، والتي تقدم خدماتها بشكل أساسي لرجال الأعمال. تركز الشركة على رجال الأعمال الذين لم يعد كثير منهم مهتما بالسهر، إذ تتيح وجبات البرانش فرصة التواصل الاجتماعي وبناء العلاقات، والعودة إلى المنزل مبكرا بما يكفي للاسترخاء وقضاء وقت ممتع والخلود إلى النوم في وقت معقول، بحسب أبو الدهب.

تعاونت الشركة مع رائد الأعمال ومؤسس إيتري وكوكومو عمر فتحي، لتدشين فعالية ذا بيزنس برانش. هذه الفعالية عبارة عن لقاء شهري يقام بعد ساعات العمل في مطعم كوكومو في ديستركت فايف من 5 إلى 10 مساء. عادة ما تضم الفعالية ما بين 200 و300 من المهنيين، كثير منهم يعرفون بعضهم مسبقا، لكن الأجواء اللطيفة بعيدا عن العمل تتيح لهم فرصة تبادل الخبرات بود وراحة. الحضور يقتصر إما على الدعوات الخاصة أو بتذكرة تكلف 3300 جنيه.

مع ذلك، البرانش ليس حكرا على رجال الأعمال. ينجذب سكان القاهرة من مختلف الأجيال إلى هذه الظاهرة، وذلك بفضل جماليات الطعام التي تمنحهم صورا لطيفة للمشاركة على إنستجرام وخلافه. ومع ازدياد عدد فعاليات البرانش التي تملأ صفحات السوشيال ميديا بصور جميلة لأشخاص متأنقين في أماكن خلابة بديكورات رائعة، تزداد شعبيتها وقيمتها التجارية والاجتماعية بالنسبة لأصحاب الأعمال. تتيح هذه الظاهرة فرصا جديدة للفنادق والمطاعم وشركات تقديم الطعام الفاخرة التي تطور قوائم طعام ومفاهيم جديدة خصيصا لوجبات البرانش مع صعوده كظاهرة ثقافية.

ولكن هذه الظاهرة، شأنها كشأن غيرها الكثير، تحولت إلى ساحة للاستعراض الاجتماعي. فبدلا من الاستمتاع بالطعام والدردشة يتشبث الجميع بهواتفهم الذكية لالتقاط الصور هنا وهناك، ما يجرد الوجبة من معناها كظاهرة اجتماعية وثقافية تعزز التواصل الإنساني الودود.