بدأت وزارة المالية في صياغة مسودة الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026-2027، التي تمثل إعلانا رسميا لانتهاء حقبة الطوارئ الاقتصادية. وتُصاغ الموازنة الجديدة — المقرر عرض نسختها الأولية على مجلس الوزراء أواخر يناير المقبل — لتكون بمثابة تحول هيكلي في السياسة المالية، حسبما صرح به مصدر حكومي رفيع المستوى لإنتربرايز.

لماذا يعد هذا مهما: ستكون هذه أول موازنة لمصر منذ سنوات تؤدي وظيفتها بشكل مستقل بدرجة كبيرة عن رقابة صندوق النقد الدولي. ومع توقع اختتام البرنامج الحالي البالغة قيمته 8 مليارات دولار بحلول نوفمبر المقبل، فإن صياغة الموازنة الجديدة تهدف إلى إثبات أن الانضباط المالي الذي شهدناه في العامين الماضيين كان خيارا على مستوى السياسات العامة، وليس مجرد اشتراطات مفروضة.

الانضباط المالي 2.0

تحاول الموازنة ترسيخ تدابير التقشف التي نالت موافقة الصندوق هذا الأسبوع. سيظل السقف الصارم للاستثمارات العامة ساريا — وربما يجري خفضه أكثر من هذا — لإفساح المجال أمام مشاركة القطاع الخاص. وفي الوقت نفسه، طُلب من الوزارات مرة أخرى تقديم تقديرات للموازنة لثلاث سنوات مقبلة، بهدف إنهاء دورة الاعتمادات الإضافية المفاجئة.

السويس.. “مختبر” نهاية الدعم العيني

كان أحد أهم الأخبار في مسودة الموازنة هو وضع جدول زمني محدد للتحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي. اختارت الحكومة محافظة السويس لتجسد ساحة اختبار لهذا التحول الكامل نحو الدعم النقدي، وفق ما ذكره المصدر. سيحصل سكان المحافظة المستحقون على مبالغ نقدية شهرية عبر بطاقات ذكية قابلة للصرف من منافذ وزارة التموين، بدلا من نظام النقاط الحالي للخبز والسلع. وفي حال نجاح تجربة السويس، سيُعمم النظام على مستوى الجمهورية خلال العامين الماليين التاليين.

وتعطي هذه الخطوة إشارة أكثر وضوحا حتى الآن على أن الدولة تمضي قدما في تفكيك منظومة الدعم القديمة التي طالما استنزفت الموازنة على مدى تاريخها، ليحل محلها نموذج نقدي موجه بدقة أكبر لمستحقيه (ومحدد بسقف مالي). وقد حققت الدولة في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي نجاحا كبيراً من خلال برنامج “تكافل وكرامة”، الذي قدم تحويلات نقدية مشروطة للأسر منخفضة الدخل التي لديها أطفال دون سن 18 عاما، وكذلك كبار السن والأيتام والأرامل وذوي الهمم.

لا تراهن على ثبات أسعار الوقود

وينبغي للمتابعين النظر إلى ما هو أبعد من العناوين الرئيسية بشأن أسعار الطاقة. ففي حين صرحت الحكومة علنا بأن أسعار الوقود ستظل ثابتة حتى أكتوبر 2026، تشير عملية إعداد الموازنة إلى واقع عملي بدرجة أكبر. إذ يشير مصدر إنتربرايز إلى أن الموازنة الجديدة لا تستبعد صراحة إجراء تعديلات تسعيرية إضافية إذا هددت أسواق النفط العالمية بتوسيع فجوة العجز مرة أخرى.

سيقتصر الدعم بشكل صارم على أنابيب البوتاجاز والسولار. ويكمن الهدف من وراء هذا في منع تحمل الخزانة العامة عبء فروق التكلفة بين الأسعار العالمية ومحطات الوقود المحلية مرة أخرى.

استبدال الرواتب بالدعم

ومن أجل استساغة هذه القرارات على المستوى الشعبي، تجهز الدولة حزمة اجتماعية شاملة تتضمن زيادات جديدة في الأجور وحوافز موجه بدقة أكبر لمستحقيها. وتعيد الحكومة صراحة توجيه الوفورات الناتجة عن إصلاح الدعم إلى دعم الدخل المباشر، وهي خطوة تحمل تداعيات كبيرة على القطاع الخاص. فإذا رفع القطاع العام الأجور لمواكبة التضخم، فمن المرجح أن يواجه مشغلو القطاع الخاص ضغوطا متجددة لتعديل هيكل الرواتب.

أيضا- تُصاغ حاليا وثيقة معدلة للسياسات الضريبية لتعكس المستهدفات الأحدث للتنمية وملاحظات صندوق النقد الدولي، ومن المتوقع صدورها في الفترة بين يونيو وسبتمبر 2026، بحسب ما ذكر مصدر حكومي آخر.