💻 قطاع التك يمر بلحظة محورية لم يشهدها منذ عقود، إذ تتزامن عمليات التسريح الجماعي مع طلب غير مسبوق على الكفاءات. فقد أكثر من 126 ألف موظف في قطاع التكنولوجيا وظائفهم في 257 شركة هذا العام وحده، بحسب إحصاءات المحللين، إذ خفضت شركة إنتل 15% من قوتها العاملة فيما قضت مايكروسوفت على 15 ألف وظيفة وأمازون 30 ألف وظيفة.

يتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي أن يساعد الذكاء الاصطناعي في خلق 170 مليون وظيفة بحلول عام 2030، في الوقت الذي سيقضي فيه على 92 مليون وظيفة أخرى. ويتوقع تقرير مستقبل الوظائف لعام 2025 نموا في فرص العمل لمتخصصي البيانات الضخمة والتعلم الآلي بنسبة 113% و83% على التوالي. كما يحافظ قطاع تكنولوجيا المعلومات على توقعات توظيف إيجابية بنسبة 35%، وفقا لاستطلاع مان باور جروب للربع الرابع من عام 2025، وهي التوقعات الأعلى بين جميع القطاعات على مستوى العالم. هل التوقعات إيجابية؟ بالتأكيد، ولكن ماذا عن الـ 92 مليون وظيفة؟

في شركات التك، طالت عمليات التسريح الوظائف التي يمكن أتمتتها ودمجها وتلك التي تعتبر غير محورية. في المقابل، يتلقى المتخصصون في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وعلوم البيانات وهندسة الحوسبة السحابية يوميا عروض أعمال متعددة ومكافآت توقيع مغرية.

العقول المصرية تتقدم السباق: تعد مصر الأفضل من بين الأسواق التي تؤهل لبناء مثل هذه المسارات الوظيفية، إذ تعزز بمواهبها وكفاءاتها هذا القطاع محليا وعالميا. قفزت مساهمة قطاع التك في الناتج المحلي الإجمالي من 3.2% إلى 6% خلال سبع سنوات، بمعدل نمو سنوي يتراوح بين 14% و16%، بحسب ما قاله وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات عمرو طلعت. بينما تؤكد وزارة التعاون الدولي أن القطاع قد حقق نموا بنسبة 10.4% خلال الربع الثاني من السنة المالية 2025/2024.

بالأرقام:

  • الصادرات الرقمية: سجلت 7.4 مليار دولار (بزيادة قدرها 124% عن 3.3 مليار دولار في عام 2018)
  • صادرات التعهيد: تضاعفت من 2.4 مليار دولار في 2022 إلى 4.8 مليار
  • مراكز التعهيد: أكثر من 270 مركزا على مستوى الجمهورية
  • نسبة انتشار الإنترنت: 81.9% ارتفاعا من 72.2% في عام 2024
  • مؤشر جاهزية الشبكة: ارتفع ستة مراكز إلى المرتبة 85 عالميا
  • مؤشر جاهزية الحكومة للذكاء الاصطناعي: قفز 46 مركزا من (المرتبة 111 إلى 65) منذ 2019

هل يعد إذن تخصص الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الخيار الأمثل للأجيال الجديدة من الموظفين؟ ليس بالضرورة، حسبما صرح راجي أسعد، الأستاذ ورئيس قسم السياسة الاقتصادية الدولية بجامعة مينيسوتا، لإنتربرايز في أبريل الماضي. “ينبغي أن يتجاوز التركيز النظام التعليمي التقليدي ليشمل التدريب، إذ يجد الكثيرون فرصا للعمل من خلال دورات تدريبية قصيرة الأجل بدلا من الشهادات الجامعية التي تتطلب سنوات”. بعبارة أخرى، المهارات والتدريب العملي أهم من الشهادات الجامعية في هذا المجال.

قطاع التدريب يشهد نموا هائلا بالفعل: نما عدد المتدربين من 4000 خلال 2019/2018 إلى 500 ألف في 2025/2024، مع خطط للوصول إلى مليون متدرب بحلول عام 2030. كما أشارت هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات (إيتيدا) إلى توفير أكثر من 300 ألف وظيفة في مجال التعهيد الخارجي وحده، بمشاركة نسائية تتجاوز 30%.

كان هذا النمو عاملا جذابا للشركات العالمية الرائدة، ففي غضون 18 شهرا فقط، توسع كل من مركز الابتكار التابع لشركة ديلويت، ومركز كابجيميني للتميز في الذكاء الاصطناعي، وقسم تصدير الخدمات الرقمية في شركة برايس ووترهاوس كوبرز في السوق المصرية. ويضم مركز ديلويت حاليا 350 موظفا ويتوسع باستمرار، بينما تخطط كابجيميني لمضاعفة قوتها العاملة إلى 1200 موظف بنهاية العام، ومضاعفتها ثلاث مرات بحلول عام 2026. وهذه لا تمثل مجرد برامج تجريبية استكشافية، بل هي استثمارات استراتيجية مدعومة برؤوس أموال ضخمة.

وفي القمة العالمية لصناعة التعهيد التي عقدت نوفمبر الماضي، أبرمت 55 شركة دولية اتفاقيات يتوقع أن توفر 75 ألف وظيفة على مدى ثلاث سنوات. كما وقعت شركات مثل أكسنتشر ولوكسوفت وأر إس أيه وتيلي بيرفورمانس وغيرها اتفاقيات توسع على خلفية القمة. وهو ما يعكس زخما حقيقيا يشهده القطاع ويدفع بعجلة النمو إلى آفاق جديدة.

ما الذي يخشاه لاعبو القطاع إذن؟ خطر هجرة الكفاءات. “هناك قلق متزايد بين أصحاب العمل من فقدان الكثير من الكفاءات لصالح دول عربية أخرى”، بحسب أسعد. توفر دول الخليج رواتب أعلى وتستقطب المواهب المصرية بشكل كثيف، كما تستفيد من ثورة العمل عن بعد، إذ يمكن للمواهب خدمة العملاء الأجانب خارج البلاد دون مغادرتها فعليا.

خير وسيلة للدفاع هي الهجوم: تركز الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي على جعل مصر سوق تطوير لا استهلاك. لا يقتصر نمو قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات على النمو فحسب، بل يتطور ويتشكل ليصبح عنصرا جوهريا ولاعبا أساسيا على مستوى العالم. توفر السوق المحلية مزايا كبيرة تنافسية منها التكاليف التشغيلية الأقل للشركات الدولية مقارنة بالأسواق الأوروبية، وأسعار تنافسية تتفوق على وجهات التعهيد التقليدية، إلى جانب بنية تحتية تتطور يوما بعد يوم لتواكب الطموحات.